الضربة الاستباقية السياسية

شارك الخبر مع أصدقائك

أفكار الخرادلى :

تعرف الضربة الاستباقية بأنها تحول من الرد على هجوم فعلى الى المبادرة بالهجوم لمنع هجوم محتمل، وهو يعتمد على اكتشاف الدولة نوايا مبكرة بالهجوم من خصم، وتتعدد مظاهر هذه النوايا.

وحتى وقت قريب كان الخبراء يقصرون تعبير الضربة الاستباقية على النوايا العسكرية.

أهم وأشهر ضربة استباقية كانت الهجوم اليابانى على ميناء بيرل هاربور عام 1941، الذى سعت اليابان من خلاله الى تحجيم القوة الأمريكية وضرب عصب الحياة الاقتصادية عن طريق تدمير هذا الميناء الحيوى.

وبالمثل كان العدوان الثلاثى على مصر عام 1956 حربا استباقية وقائية لصالح فرنسا وبريطانيا، بسبب تأميم الزعيم جمال عبد الناصر لقناة السويس التى تعتبرها الدولتان شريانا حيويا يهدد تأميمه مصالحهما وهو ما كان يستوجب ضربة استباقية لإعادة الأمور الى نصابها.

ومن جانب اسرائيل كانت ضربة ضرورية لمنع مصر من استيعاب صفقة الأسلحة التشيكية التى عقدتها عام 1954 والتى كانت تعتبرها تهديدا موجها لها، وكذلك حربا 1967 و1973، وكلها حروب كانت تعتمد على نوايا محتملة لهجوم من طرف آخر فى محاولة للوقاية بصورة استباقية.

ويأتى ضرب المفاعل النووى العراقى فى اطار الضربات الاستباقية للحيلولة دون تطوير القدرات النووية العراقية.

إن سياسة المحافظين الجدد وأسلوب وصولهم الى الحكم فى عهد بوش الابن استلهموها من سياسة الحزب النازى الذى أمسك بزمام الحكم فى ألمانيا عام 1936، والذى لم تكن القوى السياسية فى ألمانيا واوروبا على علم بأجندته الخفية التى تسعى لاثارة الفتن والنزاعات الاقليمية والدولية والتى انتهت بنشوب الحرب العالمية الثانية.

نجح بوش فى الاستفادة من الارتباك الذى أحدثه عدوان 11 سبتمبر الذى جعل الرأى العام الداخلى وجزءا من الرأى العام الخارجى يقبل فكرة ومبدأ الضربة الاستباقية الوقائية والحصول على تأييد دولى فى حربه على أفغانستان والعراق، والسعى للاستفادة من هذا التأييد ضد من سماه بمحور الشر وهما ايران وكوريا، وبدأ وضع خطط إحداث تغيير واسع المدى فى عدة أقاليم أهمها الشرق الأوسط.

كانت أحداث 11سبتمبر هى مفتاح سياسة بوش الابن، حيث أعلن بعد عشرة أيام منها، فى خطاب، نية الولايات المتحدة نقل المعركة الى «العدو» وزعزعة خططه قائلا: «علينا أن نواجه أسوأ التهديدات قبل أن تظهر وأفضل طريق هو الفعل، وأن على الولايات المتحدة كشف خلايا الارهاب فى ستين دولة أو أكثر».

كان العراق أول نماذج الضربة الاستباقية العسكرية لتجعله أمريكا أمثولة لارهاب الآخرين وجعلهم يستسلمون دون قتال، والهدف هو اسقاط أى نظام سياسى والتخلص من عقبة وجود أى نظام حر غير خاضع للسيطرة الأمريكية، خاصة لو كان عائما فوق بحيرة من النفط فتجب اعادته الى عصر ما قبل الصناعة.

طورت أمريكا مفهوم الضربة الاستباقية بخطط لهزيمة الدول المعادية أو المنافسة دون اطلاق رصاصة واحدة أو تعريض حياة جندى واحد للخطر سواء من خلال تفتيت الدول بهدف اضعافها، ومن أشهر هذه العمليات تفتيت الاتحاد السوفييتى الى خمس عشرة دولة أو ضربها اقتصاديا مثلما حدث مع النمور الآسوية التى لم تفلت من هذه السياسة إلا عدة دول أقل من عدد أصابع اليد الواحدة.

وضعت مصر أسس الضربة الاستباقية “السياسية”عندما أدركت ما يحاك لها من خطط فولت قبلتها شرقا وأعادت وصل ما انقطع من حبال، خاصة أن سير الأمور يشير الى تمسك الولايات المتحدة والدول الغربية بمخططها الرامى الى تدمير واضعاف مصر بل المنطقة العربية بالكامل، وليست هناك مبالغة لو قلنا إن أى دولة فى العالم تشعر تجاهها أمريكا بأى تهديد لمصالحها.

كانت زيارة المشير السيسى ونبيل فهمى لموسكو ضربة استباقية سياسية قبل زيارة اوباما المزمعة للسعودية، ولا يحتاج الأمر لذكاء شديد لمعرفة وادراك أن أهم أسباب زيارة اوباما هو الضغط على كبيرة دول الخليج لوقف دعمها لمصر 6/30، ودعمها لزعيم برز وبزغ تعلم أنه «مِحَجَّر» معها ولن يكون لقمة سائغة وغير مستعد لبيع وطنه تحت أى ظرف أو بأى ثمن.

والضربة الاستباقية السياسية الثانية هى سحب المملكة العربية السعودية والامارات والبحرين لسفرائهم من قطر بسبب دورها وتشبثها بدعم جماعة الإخوان فى تلك الدول، وعملها على زعزعة الاستقرار فيها.وكان السبب المباشر هو القبض على قطرى يقود أنصار تلك الجماعة فى الإمارات.

وبالمثل كان هذا القرار سابقا لزيارة اوباما ليعلم قبل وصوله أن دول الخليج لن تقبل تحت أى ظرف من الظروف تآمر قطر العميلة وتواطئها لزعزعة أمنها.

وجاءت الإقالة المفاجئة لحكومة الببلاوى أيضا فى اطار الضربات الاستباقية السياسية، وأخيرا انتقلت الدول العربية من سياسة رد الفعل الى سياسة الفعل. 

شارك الخبر مع أصدقائك