الصين “شريك تعاونى موثوق” لمصر

شارك الخبر مع أصدقائك

أقدمت مصر منذ ستين عاماً على الاعتراف- كأول دولة عربية/ أفريقية.. بالصين، برغم ما تثيره مثل هذه الخطوة وقتئذٍ من رفض وحنق أميركى، لأسبابه، وليجاهد الصينيون خلال تلك الحقبة الطويلة عبر «الزمن العالمي».. سعياً للتنسيق الأيديولوجى- بلا جدوى- مع الاتحاد السوفيتى.. الذى سخر قادته فى الستينيات من تطلعات بكين للوصول سوياً إلى «المرحلة الرومانسية من الاشتراكية».. ما أتاح للولايات المتحدة الانفتاح على الصين 1971.. للحيلولة معها دون الهيمنة السوفيتية على أوراسيا، كمصلحة مشتركة لكليهما، وفى إطار من التوافق الإستراتيجى الذى استمر بشكل أو آخر إلى اليوم من دون احتكاكات ملموسة تهدد الخيط الدقيق الواصل من المصالح العليا المشتركة بينهما، ولتتفرغ بكين من بعد ترتيب علاقاتها بالقوتين العظميين إلى إحداث طفرة تنموية وبنيوية هائلة منذ 1978، وصولاً إلى أن تصبح ثانى أقوى دولة اقتصادية فى العالم.. وثانى إنفاق عسكرى بعد الولايات المتحدة، ذلك دون التورط فى مشاكل العالم.. مكتفية عبر قفازها الدبلوماسى بالمراقبة الحيادية عن بعد.. لتسمى عن حق «إمبراطورية الوسط».

ماذا بعد الذى بلغته الصين اليوم من عناصر القوة والمنعة.. إلا أن تفسح لنفسها دورًا ملموسًا وفاعلًا ومستحقًا فى النظام العالمى، يتوازى بحكم الضرورة الجيوسياسية- الاقتصادية بين اقتحام الإستراتيجية الأميركية الدفاعية الجديدة 2011.. للمجال الحيوى الصينى فى منطقة آسيا- المحيط الهادى.. وبين المسعى الحثيث للصين- فى المقابل- لتأكيد وجودها فى الشرق الأوسط، المنطقة التقليدية للنفوذ الأميركى من بعد الحرب العالمية الثانية، وحيث تتسابق الدول الكبرى لمحاولة ملء الفراغ الناشئ عن الانحسار الأميركى التدريجى عنها، لأسبابها، وللتركيز فى اتجاه المحور الآسيوى «الباسفيكي»، لكن دون أن تغفل واشنطن عن استخدام الأساليب (الشيلوكية) إن جاز التعبير، ذلك لاستحداث تضاربات، لصالحها، تعاقبها فيما بين القوى المتنافسة للحلول محلها فى الشرق الأوسط، خاصة وهى الممسكة منذ عقود- أكثر من غيرها- بمقاليد ومعظم خيوط معضلات المنطقة المزمنة.

فى هذا السياق العام، إذا افترضنا صحته فى إجماله، يأتى الرئيس الصينى منذ أيام للمنطقة فى جولة غير مسبوقة من حيث شمولها ثلاث دول رئيسية هى الأهم فى الشرق الأوسط، باستثناء تركيا وإسرائيل، وحيث يزور تباعاً الرياض- القاهرة وطهران، ناهيك عن إلقاء كلمته فى مقر جامعة الدول العربية، ساعياً من خلال «دبلوماسية التنمية» إلى تكريس الوجود الصينى فى المنطقة، ذلك عبر تفعيل عملية سياسية- تنموية يتوافق من خلالها اللاعبون الإقليميون الأساسيون.. فى اتجاه تقليص التدخلات «بالوكالة» إلى الالتزام بالعمل سوياً نحو بناء نظام إقليمى يكفل مصالحهم فى الأمن والازدهار بالتوازى مع احترام سيادة وأمن الآخرين، ولو أن هذا الهدف قد يبدو شاقاً وصعباً إلا أنه لا يدخل من باب المستحيلات بالنسبة للصبر والرأب الصينيين، خاصة إذا دخلت بكين- كما تعتزم- «شريكة تعاونية موثوقة».. على استعداد لتفعيل ما طرحته من مبادرة «الحزام والطريق»، وهى المبادرة المتوافق عليها إقليمياً منذ العام 2013، مشتملة على الحزام الاقتصادى لكل من «طريق الحرير» البرى والبحرى، وفى إطار دمج إستراتيجيات ورؤى التنمية على اختلافها فى مجالات متعددة (..)، الأمر الذى يمهد إلى نهج صينى بديل للتدخلات الغربية التى جرّت المنطقة خلال العقود السابقة إلى أوضاع مزرية، ما يساعد فى حل معضلات الشرق الأوسط، وهو الذى يبشر، بحسب الرئيس الصينى «شيى» فى كلمته أمام الجامعة العربية، بمستقبل من المحتمل أن يكون أكثر إشراقاً.

إلى ذلك، تدور الجهود الصينية لإنجاح المساعى فى الوساطة بين السعودية وإيران، وفى العمل على دفع مفاوضات التسوية بالنسبة للمسألة الفلسطينية، إلى المشاركة فى إنهاء الصراع فى سوريا.. إلخ، ذلك لو تخلى جميع اللاعبين فى المنطقة تحت ضغط الحاجات التنموية التى تمسك بتلابيبهم دون استثناء.. عن الكبرياء والتحايل، وعلى تجنب عقلية «المحصلة الصفرية»، خاصة مع عزم الصين- على عكس الغرب- إلى تحقيق تعاون قائم على المنفعة المتبادلة، بحسب الرئيس الصينى، وإلى تجنب تنصيب وكلاء لها لسد أى «فراغ» فى الشرق الأوسط، ولا إلى التدخل على غرار الغرب لفرض أنماط بعينها على الآخرين، سبق أن أساءت الحسابات من قبل وإلى الآن.

خلاصة القول، تسعى الصين من خلال «الحوار والتنمية» (55 مليار دولار).. للمشاركة فى المشاريع الرئيسية للمنطقة وفى مصر- على سبيل المثال- ذلك عبر الخمس سنوات القادمة، ولتكون مصر التى سبقت منذ ستة عقود إلى فتح طريق الصين نحو الشرق الأوسط وأفريقيا، من المقدر لها اليوم أن تستند إلى الصين كشريك تعاونى موثوق به.

شارك الخبر مع أصدقائك