شريف عطية

الصـــين تســــابق ظلــــها

شارك الخبر مع أصدقائك


شريف عطية

مضت نحو ثلاثة عقود منذ انصرفت الصين- دون انقطاع- لبناء بنية تحتية متطورة.. بسرعة كبيرة- ربما- لم تعرفها البشرية من قبل.. لتتحول من دولة ضخمة فقيرة إلي عملاق اقتصادي صاعد باطراد، ولم يكن ليغيب عن الطموح الصيني.. والعالم يمر بأسوأ أزمة اقتصادية لم تطلها بنفس القدر الذي هددت به اقتصادات غيرها من الدول الكبري، أن توظف سنوات هذه الأزمة منذ 2008.. كي تحقق خلالها طفرة اقتصادية أخري.. أبعد شوطا مما سبق لها انجازه، وإلي أن ترتقي في سلم التصنيع مثلما ضاعفت عدد جامعاتها، ذلك بالتوازي مع انتظام تداول السلطة.. من »هسياودنج« مفجر الثورة الاقتصادية 1978.. إلي »زيمين« إلي »جين تاو«.. المرجح تسليمه السلطة إلي »تشي« 2012.. ليحافظ من داخل الحزب الحاكم علي الوضع الراهن، وربما يقوم باصلاحات في اتجاه إعادة توزيع الثروة علي نحو كاف لتهدئة المعارضين في الداخل، جنباً إلي جنب مع إعطاء القيادات العسكرية، بحسب المراقبين، صلاحيات أوسع قد تكون متناسبة مع حجم التحديات الحالية والمستقبلية التي قد تواجهها الصين علي الصعيد الخارجي.

وإزاء تلك الصلابة المتراتبة في الداخل الصيني، ربما يحق للصينيين التطلع لبلوغ منزلة القوة العظمي، لاريب أن الصين مؤهلة كمرشح معتمد لممارسته.. كقوة عالمية مهيمنة، إذ إن نموها المحتمل.. 10 في المائة بالمقارنة بالولايات المتحدة 4 في المائة، فيما اليابان لا تملك مثل احتياطيات النمو التي تملكها الصين(..)، وفي وقت خسرت أوروبا المرتبة الثانية في النظام الدولي، الذي تتوسط الصين معظم تحالفاته المصلحية الجديدة.. إضافة إلي انضمامها إلي ما يسمي »تكتلات المحافظين« بالنسبة لمجالات حقوق الإنسان والتغير المناخي ومنع الانتشار النووي.. وسعر صرف العملة العائم، كما لا ترغب الصين، لأسبابها، في ترك مجموع البلدان النامية لشأنها، رغم نموها البطئ، وذلك علي خلاف ترتيبات القوي الصناعية الأخري في هذا الخصوص، وحيث يدفع التميز الاقتصادي الصيني.. بالدول الصناعية إلي غض الطرف عما يخص مقاربات الصين في مجال حقوق الإنسان.. وإقليم التبت.. إلخ، لكي تتجنب المواجهة.. وللتقارب مع الصين اقتصادياً، إذ يجب »الامتناع عن وصفها بالخطر«، بحسب الرئيس الفرنسي قبل  استقبال نظيره الصيني مطلع نوفمبر الحالي، بل باعتبارها- يستطرد »ساركوزي«.. »فرصة لتوقيع كل عقد مهم.. وبدء محادثات مهمة معها عشية ترأس فرنسا مجموعة العشرين«.. في 12 نوفمبر الحالي، وحيث تأمل الأخيرة في عدم عرقلة الصين لمهمتها المرتقبة.. في الحصول علي تجاوبها لإنجاح رئاستها المجموعة التي تعتبر من أولويات الدبلوماسية الفرنسية في السنة المقبلة، بحسب وكالة »فرانس برس«، للبقاء في مستوي دولي رفيع.
 

في سياق المنافسات الاقتصادية المقاربة لحروب اقتصادية محتملة علي غرار ما جري خلال »الكساد العظيم« ثلاثينيات القرن الماضي، فقد رفضت الصين 5 نوفمبر الحالي السياسات النقدية الأمريكية قبل ساعات من قمة مجموعة العشرين، وسخرت علي لسان نائب وزير الخارجية الصيني، من خطة أمريكية لتحديد أهداف للمعاملات الجارية بـ(%4 من الناتج المحلي الإجمالي)، حيث وصف هذا التحديد الأمريكي »المصطنع« لهدف رقمي.. بما سبق خلال أيام »الاقتصاد الموجه«، وفيما يحدث مثل هذه السجالات بين بكين وواشنطن علي المستويين النقدي والتجاري، فإن العلاقات بينهما تشهد توتراً متعاظماً في المحيط الهادي، حيث ينتشر أسطولا البلدين البحريان والعسكريان في مياهه.. الواحد إزاء الآخر، ليراقبه عن كثب، فيما تدعو فيتنام  واشنطن من جانب آخر إلي الإسهام في الأمن الإقليمي للدول المشاطئة لبحر الصين الجنوبي.. تفاديا لانفراد الصين بالقرارات الاستراتيجية علي هواها، الأمر الذي يصيب استراتيجية بكين في مناطق نفوذها التقليدية في دائرتها القريبة، مما تعتبره الأخيرة »استفزازاً غير مقبول«، ربما يؤدي إلي مواجهة علي غرار »حرب جورجيا«.. لإثناء الأمريكيين والناتو عن التمدد شرقاً إلي الفضاء السوفيتي السابق، وهو ما يبدو أن الصين آخذة بنفس النهج الروسي »الرادع«.
 
علي صعيد مواز، هناك نزاع صيني- هندي شمال الباكستان.. حيث ترغب الصين في موطئ قدم لها في هذه المنطقة لتشق لها طريقاً مباشراً إلي منطقة الخليج العربي، إحدي مناطق النفوذ الأمريكي التقليدية، وحيث يسبب تقدم الصينيين إليها، كما في أفريقيا حالة من الانزعاج لدي الكثير من الدول التي تعتبر الطاقة وغيرها من الموارد، ولب استراتيجية بكين، كما الولايات المتحدة، التي تتقدم والهند »معاً« لمساعدة أفريقيا بعدما قطع الصينيون أشواطاً بعيدة في التأثير في افريقيا، ولتجيء المبادرة الأمريكية- الهندية في القارة السوداء.. بعد وقت قليل من إطلاق الهند واليابان رسميا »حواراً« حول أفريقيا يركز علي استراتيجيتهما للحد من نفوذ خصمها التاريخي في القارة الافريقية، ذلك في الوقت الذي من المنتظر الكشف عن هذه النوايا أثناء زيارة الرئيس أوباما الحالية إلي الهند، وكلها تحركات مضادة لا تقف الصين حيالها بلا حراك إنما تكثف من دبلوماسيتها المتعددة في أفريقيا والشرق الأوسط ومع روسيا، ذلك علي النحو المشهود خلال الأيام القليلة الماضية من زيارة كبار المسئولين الصينيين  للتنسيق وتوقيع اتفاقات نوعية مهمة في كل من موسكو وتركيا وسوريا.. إلخ.
 
إلي ذلك، ومع استبعاد نشوب حرب تجارية تنافسية بين أكبر قطبين عالميين في الوقت الراهن، الولايات المتحدة والصين، إلا أنه يبدو من تطور الأحداث علي النحو السالف بيانه بإيجاز، ربما لا يكون مخلاً، أن مثل هذه الحرب قد تكون موشكة علي الحدوث، لاسيما عند الأخذ في الاعتبار أن الأزمة الاقتصادية وضعت الصين في موقف أقوي بكثير من العديد من جيرانها الآسيويين أو الولايات المتحدة علي السواء، مما قد يدفع القادة الصينيين إلي الشعور الآن بقدرتهم علي إلقاء ثقلهم في القضايا الدولية، الأمر الذي لا يروق في نظر منافسيها الذين قد يلجأون حينئذ إلي إجراءات استباقية قد تصعب السيطرة عليها.. حال زادت المنافسة التجارية اشتعالا.. وقد تستدرجهما إلي مسالك خطرة غير متوقعة، ربما علي النحو الذي أوقع العالم في خضم الأحداث الدامية التي أعقبت الأزمة الاقتصادية 1931، خاصة مع ما يجري هذه الأيام من النمو المطرد لنفوذ وأدبيات اليمين الأمريكي المتشدد من ناحية، إلي اتساع نفوذ المؤسسة العسكرية الصينية من جانب آخر.. وهي التي تدفع الآن لتحقيق مصالحها المتشددة، بحسب مجلة النيوزويك مطلع أكتوبر الماضي، عبر توسيع دائرة النفوذ البحري الصينية التي لم تكن ملائمة دائما، من وجهة نظر العسكريين، لأهداف الدبلوماسية الصينية التي تمثلها وزارة الخارجية الميالة إلي السلام.
 
في سياق ما سبق، يتعارض مفهومان للنظام العالمي، أحدهما.. تربعت الأحادية الأمريكية علي قمته لأكثرمن عقدين من الزمان، وآخر.. توشك الصين علي أن تعيد صنعه بما قد يطيح بالاحتكار الأمريكي لزعامته، إذ تواصل الصين »التسابق مع ظلها« للصعود إلي قمته.
 

شارك الخبر مع أصدقائك