الصحف الورقية‮… ‬تحديات ومخاطر

شارك الخبر مع أصدقائك

د.عمار علي حسن

ألقت الأزمة المالية العالمية بظلالها علي صناعات كثيرة، منها صناعة الصحافة، التي شهدت تعثر صحف كبري وإفلاس أخري، وتهدُد ثالثة بالخروج من السوق تماماً، وإجبار رابعة علي التفكير في الاكتفاء بالنسخة الالكترونية. فعلي سبيل المثال لم يفكر أحد ذات يوم أن تعتزم صحيفة كريستيان ساينس مونيتور الأمريكية ذائعة الصيت التوقف عن إصدار صفحاتها اليومية المطبوعة، أو تستغني بعض الصحف كالنيويورك تايمز ولوس انجلوس تايمز عن عدد من محرريها، ويتراجع حجم مبيعات الصحف في بريطانيا. وقد طالت هذه الأزمة الصحافة الخليجية، وأظهرت نقاط ضعف عديدة بها، حيث تم إغلاق أكثر من 40 مطبوعة ما بين صحف ومجلات في دول المنطقة، بعد تراجع حجم الإعلانات والدعم الحكومي لدي بعضها.

ولا يمكن إنكار أن الإعلام الجديد، بوجهيه البارزين المتمثلين في الفضائيات وشبكة الإنترنت، قد أثر تأثيراً بالغاً وجارحاً علي الصحافة الورقية. ومن العبث أن تنزلق الصحافة »التقليدية« إلي صراع ضد نظيرتها الجديدة، فالأخيرة تتقدم بخطي واثقة، ليبقي من الضروري أن يحدث تفاعلا خلاقا بين الاثنين، تلتقط خلاله الصحافة الورقية من الصحافة الالكترونية ما يفيدها، وما يمكنها من تخطي أزمات متوالية تكاد تنهي عصرا من احتكار أسلوب نمطي معين لنشر وعرض الأخبار والتقارير، بعد ظهور تقنيات WEB 2.0 ، التي أتاحت فرصة هائلة لمستخدمي الانترنت للمشاركة بفعالية سواء عبر إضافة التعليقات أو المشاركة بأنواع مختلفة من الوسائط المتعددة ليصبح بعدها المستخدم صانعا للحدث كما هو الحال في البلوجزBlogs  المختلفة والتي أدي بعضها إلي تفجير قضايا مهمة، والكشف عن خبايا أمور كانت مجهولة لدي الناس حتي وقت قريب، وأدي جميعها إلي ظهور ما يسمي بـ»المواطن الصحفي«.

إن الصحيفة في خاتمة المطاف هي سلعة تقوم المؤسسات الصحفية بصناعتها، ثم تعرضها في السوق أمام المستهلك »القارئ« وتتبع حياله كل الأدوات والحيل الدعائية الممكنة حتي تجذبه إلي هذه السلعة وتجعله يعتاد استهلاكها. مثل هذا الوضع يجعل آليات السوق تنطبق بكاملها علي الصحف، إنتاجا وتوزيعا واستهلاكا، وتفرض ضرورة فهم »العملية الصحفية« برمتها حسب هذه القواعد الاقتصادية المتعارف عليها، والتي أنتج العقل البشري فيها نظريات وآليات وإجراءات محكمة إلي حد كبير.

وهناك أوضاع سلبية تواجه الصحافة العربية وتزيد من حدة الأزمة التي تتعرض لها، يمكن شرحها علي النحو التالي:

-1 يجب التعامل مع »العنصر البشري« بوصفه الأهم في عملية إنتاج الصحف، وهي مسألة ضرورية، لذا تنفق الشركات الناجحة جزءاً كبيراً من ميزانياتها علي التدريب، الذي يتم طيلة الوقت ولكل العاملين، بغض النظر عن خلفياتهم الدراسية وأعمارهم ومواقعهم الوظيفية. فالقانون الرئيسي لأي مؤسسة ناجحة هو أن التدريب عمل مستمر للجميع. ويقوم هذا التصورعلي أن المحررين هم العمود الفقري في العملية الصحفية، وأن كفاءتهم وكفايتهم تنعكس بالضرورة إيجابا علي المنتج الصحفي، شكلا ومضمونا. وللأسف الشديد فإن أغلب المؤسسات الصحفية العربية لا تراعي هذه المسألة؟ وبعضها لا يتخذ من الكفاءة العنصر الأول للتدرج المتصاعد في المواقع والمناصب داخل الجريدة، إنما تحكمه عوامل أخري، أغلبها مرده الفساد والإفساد والأمراض البيروقراطية، علاوة علي تدخل الحكومات، وفرض الموالين لها. كما أن الصحف العربية لا تلتفت بقدر كاف لمسألة تبادل الخبرات مع نظيراتها، سواء داخل القطر الواحد، أو عبر مختلف الأقطار.

-2 لم تكن صناعة النشر استثناء من الاتجاه إلي التخصص، في ظل عالم يحرص علي تقسيم العمل وتوزيعه، بما يحقق أقصي كفاءة انتاجية ممكنة. ومع حياة تتعقد باستمرار فتختلف اهتمامات الناس وأذواقهم، تجد الصحافة نفسها مطالبة بمواكبة هذا التعقيد وذلك التنوع، إلي درجة ظهور مطبوعات في الغرب متخصصة في قضايا ضيقة جدا وغريبة في الوقت ذاته، منها مثلا نحو عشرين مجلة متخصصة في قضايا »القطارات« في الولايات المتحدة الأمريكية فقط، إلي جانب مجلات مهتمة بعالم تربية القطط، أو متخصصة في تغطية كل شئون الموظفين المتقاعدين ..الخ. ومن أسف فإن الصحافة العربية لا تعرف هذا التخصص الدقيق إلا نادراً، ودون جدية واضحة، وإصرار كامل.

-3 تحرص كل صحيفة علي تقديم انفرادات متتالية، تعزز تأثيرها وجاذبيتها، وترسخ تواجدها واستمرارها. لكن اللهفة علي تحقيق سبق بأي طريقة، وأي صيغة، علي حساب الدقة وتحري الصدق، من المؤكد أنه سيؤدي إلي نتائج خطيرة، إذ لن تؤخذ الأخبار التي تدعي الجريدة أنها تنفرد بها علي محمل الجد، ومع السقوط في الكذب أكثر من مرة ستنهار المصداقية، وينعدم التأثير، أو يقل إلي أدني درجته، الأمر الذي سيقود إلي تراجع التوزيع. من هنا يأتي دور المهنية ليحقق التوازن بين السبق والمصداقية، فيقيس الأول علي الثانية، ويجعل الثانية معيارا لتمرير الأول في دقة وتحر.

-4  تضمنت معظم قوانين الصحافة العربية قيوداً واسعة بعضها تنظيمي، يقيد حرية الإصدار والنشر، ويفرض رقابة علي المطبوعات. وبعضها يتعلق بالمضمون، حيث تتعدد العقوبات المفروضة علي قضايا النشر، أو تلك التي تمنع تداول المعلومات بحرية وشفافية. ومن أسف فإن هذه القيود لا تقتصر علي القوانين الرسمية، بل تمتد إلي الأعراف والتقاليد الاجتماعية والأنماط الثقافية السائدة، التي تبدو في بنيتها وشكلها أكثر خطرا علي حرية الصحافة من »القوانين السالبة للحريات« ذاتها، لأن هذه القوانين يمكن تغييرها بين عشية وضحاها إن توافرت الإرادة، أو تم التقدم بخطوات ملموسة علي طريق الديمقراطية، لأسباب عدة. لكن تغيير القيود الاجتماعية والثقافية يحتاج إلي وقت أطول.

-5 إلي جانب ذلك تواجه الصحافة العربية تشريعات تنحاز إلي مصلحة السلطة، ما يحد من الحريات العامة، ومنها حرية التعبير، التي تشكل القيمة الرئيسية للصحفيين في أي زمان ومكان. كما تواجه الصحف قيودا أخري أشد، تنحدر من عمليات التمويل، التي تشكل عصبا أساسيا لأي صحيفة. وقد زادت القيمة المضافة التي يشكلها التمويل ضمن عناصر صناعة الصحافة مع الآثار السلبية التي ترتبت علي الأزمة المالية العالمية. وتجد الصحافة نفسها، شاءت أم أبت، معرضة للعمل تحت طائلة القاعدة الراسخة التي تقول: »من يملك يحكم، أو يتحكم«، سواء في مواجهة الحكومات أم المعلنين.

 إن كل هذه العوامل والظروف تجعل من الصعب، لكن ليس من المستحيل، علي الصحف العربية أن تنافس عالميا، حتي لو صدر بعضها بلغات أجنبية. فالوصول إلي العالمية ليس مسألة يسيرة، فهي لا تحتاج إلي المال والكوادر البشرية الماهرة فقط، بل أيضا، وقبلهما، إلي الحرية العريضة. إلا أنه بوسع الصحف التي تطمح إلي التوزيع علي المستوي العربي كله أن تلبي احتياجات القارئ من المحيط إلي الخليج، أو تغير بعض مادتها التحريرية وفق مناطق التوزيع. أما الصحف الموجهة إلي القارئ المحلي فمطلوب منها أن تؤدي هذا الدور علي أكمل وجه، وتتعامل مع »الجمهور المستهدف« بوعي، وتعتبر أن محليتها هي نقطة تميز، عليها أن تستغلها استغلالا واسعا وعميقا ورصينا، حتي ترسخ تواجدها، وتعلي دورها.

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »