عقـــارات

الشواطئ.. والمراكب

ما نعانيه الآن من مصاعب اقتصادية يعود بعضها الي السنوات الطوال التي أعطي خلالها مبارك لـ»المستوردين« الضوء الأخضر ليستوردوا كل ما يريدون بصرف النظر عن توافر البديل المحلي الأكثر جودة، والأكثر مناسبة ـ من ناحية السعر ـ لجيوب المصريين، وهو…

شارك الخبر مع أصدقائك

ما نعانيه الآن من مصاعب اقتصادية يعود بعضها الي السنوات الطوال التي أعطي خلالها مبارك لـ»المستوردين« الضوء الأخضر ليستوردوا كل ما يريدون بصرف النظر عن توافر البديل المحلي الأكثر جودة، والأكثر مناسبة ـ من ناحية السعر ـ لجيوب المصريين، وهو ما ترتب عليه ـ بطول الاستيراد وقتل المنتج المحلي ـ إغلاق الكثير من المصانع، ودفع الفلاحين المصريين للانصراف عن انتاج الكثير من أصناف الغذاء المصري التي كان الفول والعدس علي رأسها لنأكل الآن فولا صينيا، ومعه العدس »أبوجبة«، والعدس »الملط« الذي بغير جبة، وأشياء أخري تجل عن الحصر، فيما عدا الجرجير والنعناع، والبصل الأخضر، ذلك أن بعضها لا يزرع وإن نبت علي جوانب الغيطان طبيعيا دون زراعة.

وبمتابعة خطي المستوردين طوال عقود ثلاثة من تبني النظام عددا من »المستوردين« ـ اعتقد أنهم هم »المصدرون« كذلك ـ فإن توالي طرح المستوردات الغذائية جيدة التغليف وإن كانت تمثل كناسة المزارع الصينية، ومعها أجهزة منزلية ـ مثل الغسالات والثلاجات ـ ذات البريق ـ في الشكل والسعر ـ هي الأخري كناسة المصانع الصينية، وبينها راديو اشتريته لم ينطق ـ فور تشغيله ـ سوي عبارة »هنا القاهرة« التي لم ينطق بعدها أبدا.

والمدهش أن بضائع صينية كثيرة تطرح في الأسواق الأمريكية في غاية الجودة، مع استيفاء كامل لكل المواصفات القياسية التي تشترطها وتتطلبها السوق الأمريكية بما يقبل فقط المنافسة في الأسعار مع استيفاء المواصفات، بما يؤكد أن المستوردين لدينا هم الذين لا يستوردون سوي زبالة ما ينتج هناك، وهي المنتجات التي يحتفظ بها المنتجون الصينيون للمستوردين المصريين ـ وليس لغيرهم ـ بما يضمنه هؤلاء المستوردون ـ عديمو الضمائر ـ من تصريح ضمني لسلطة الحكم في مصر باستيراد كل ما يرون استيراده في إعفاء من أي مواصفات، بل قد يمتد ذلك العفو الي رسوم الجمارك، وفيما يختص بالسلع الغذائية فإن يقينا كان لدي هؤلاء المستوردين بأن »معدة المصريين تهضم الزلط«، وهو ما كان يدفع بهؤلاء الي التغاضي عن تواريخ الصلاحية المنتهية، اكتفاء بلصق »استيكر« جديد فوق تاريخ الصلاحية بتواريخ جديدة بعضها ينتهي بعد يوم القيامة، وليس قبل ذلك، ويترتب علي هذا الـ»استيكر« تحول هولاء المستوردين الي مليارديرات، وتحويل المستهلكين المغلوبين علي أمرهم الي »مراحيم«.

وقد ترتب علي »تغول« المستوردين المصدرين في حياة الأسواق المصرية هدم كل الصناعات المصرية، حيث كان النظام المستفيد شخصيا بنسبة من أرباح أباطرة السوق ـ دخولا وخروجا ـ يري أن المزيد من البطالة ـ الناتجة عن قفل المصانع ـ يؤدي الي تزايد الفقر في مجتمع تحكمه »عصا الأمن الجهنمي« وذلك ضمن خطة سياسية تعتقد أن الفقراء والمهمشين يسهل جدا حكمهم بشكل أقل ضررا من أولئك الذين يجدون فرص عمل، والذين يعلمهم الاكتفاء الاقتصادي الحديث في السياسة، ومناقشة مجريات الأمور، وأنهم أعلي صوتا، بينما كان المطلوب أن يخرس الجميع ليتفرغ النظام لأموره الشخصية بغير إزعاج، وهو ما أدي الي اعتبار كل إيرادات الدولة المصرية إيرادات تخص الأسرة الحاكمة، تشبها بملوك وأمراء دول الخليج، الذين يرون أن النفط وملياراته العائدة هي من حق الأسر المالكة هناك، وأن حياة بقية أفراد الشعب علي الكفاف هي »مكرمات ملكية« غير قابلة للنقاش، مع وجود مجالس للشوري ـ ضمن تمثيلية الحكم الديمقراطي ـ كل أفرادها معينون بمراسيم ملكية، وليس بينهم منتخب واحد، ذلك أن الانتخاب في عرفهم من »عمل الشيطان«، رغم أن أعماقهم مملوءة بمخاوف يوم تصل فيه اليهم موجات الربيع العربي التي تضرب الآن كل الشواطئ الملكية التي يتفرغ أهلها لتهريب ملياراتهم الي الخارج قبل أن تحطم تلك الموجات كل الشواطئ بما يغرق كل مراكب الهاربين!!

شارك الخبر مع أصدقائك