الشمس ضاعت

شارك الخبر مع أصدقائك

لبنى صبرى
 
ضاع القمر، لكنهم علمونا في فيزياء المدرسة ونحن صغارا أن المادة لا تفني ولا تستحدث من عدم، يعني القمر موجود ولوحة زهرة الخشخاش موجودة وكل ما ضاع منا موجود. لكني حقيقة لا يشغلني القمر الصناعي ايجيبت سات الذي يقولون انهم فقدوا الاتصال به (يعني ضاع) لأنه في الحقيقة لم يكن يضيء حياتي بأي شكل، المشكلة بالنسبة لي هي فكرة الضياع. تفاجئني الأخبار كل يوم بأشياء تضيع. مرة لوحة من متحف ومرة تمثال ، يقولون إنهم وجوده، ولا أحد ـ ممن لم يروا شيئا مثلي ـ يعرف ما ضاع وما وجد، ضاعت الحقيقة وسط التصريحات.
 
حاولت العودة لدروس الفيزياء في المدرسة بحثا عن الاطمئنان »المادة لا تفني« يعني لم يضع شيء. ربما غير شكله أو صفاته أو مكانه ـ فحم تحول إلي ألماس- أو لم تعد أعيننا قادرة علي رؤيته. ولكن هل تنطبق قواعد الفيزياء هذه علي ما هو غير مادي؟ ضاع منا ما هو أغلي من القمر واللوحة والتمثال فهل أجد في الفيزياء أو أي علم آخر ما يقول إن هذه الأشياء موجودة ربما في صور أخري لم تعد أعيننا تستطيع التعرف عليها؟
 
يقول من يصفون أنفسهم بالمتدينين الآن إن أي مسلم لا يعرفونه في الشيشان أو ماليزيا أو واق الواق أقرب لهم من أي جار أو قريب مصري عربي غير مسلم أو حتي مسلم لكن لا يري بأعينهم، فهل ضاعت الجيرة والزمالة والقرابة وذكريات الطفولة والحلم المشترك واللغة الواحدة والتقاليد الواحدة؟ هل هناك علم يطمئنني أن هذه الأشياء لا تفني ولا يستحدث غيرها من عدم؟
 
وقبل القمر واللوحة والتمثال ضاعت كراسة يومياتي القديمة وضاع قلمي .. لا لم يضع القلم بل تغيرت صفاته، تحول أصبح يعاندني، أريده رقيقا فيصرخ، أريده متفائلا فينضح يأسا، تركته يضيع فعاد في ثوبه الجديد يتحدي بصلابة يفرض علي فجاجته. هل هو قلمي أم أن ما ضاع هو نور البصر؟ القمر حسب الفيزياء غير مضيء بل فقط يعكس نور الشمس، قد تكون الشمس هي التي ضاعت فلم نعد نري ضوء القمر، وفي الظلام يختلط السواد بظلال قديمة باقية ترسم أقمارا وتماثيل وزهور خشخاش وحبا وأحلاما وآمالا وشموسا، ربما كان بعضها مرسوما أصلا في كراسة يومياتي القديمة الضائعة وبقلمي قبل أن يتبدل.
 

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »