رجائى عطية

الشعر العربي والمذاهب الغربية الحديثة (3)

شارك الخبر مع أصدقائك

القوالب فى الأوزان العروضية، هى التى تطورت فى اللغة العربية فأصبحت فنًّا مستقلاًّ بمقاييسه عن فن الغناء أو فن الحركة الموقعة.

أما الكلام المنظوم فى تلك القوالب ـ أى مضمون ومبادئ ومعانى الكلام ـ فهو يأتى فى كل عصر، وكل شاعر، بما هو أهله من الإبداع أو الزيادة أو المحاكاة.

ويبقى بالنسبة للقوالب والأوزان، السؤال : هل هى صالحة لأداء المقاصد الشعرية ومجاراة الأمة فى تطورها مع الزمن وحالاتها من الشعور والفهم والقدرة على الأداء ؟ وهل تتسع هذه القوالب والأوزان للتعديل إذا وجب للوفاء بمطلب جديد من مطالب التعبير ؟

تدل العصور الماضية على أن أساس العروض العربى قابل للبناء دون ما حاجة إلى نقضه أو إلغائه.

فقد كانت عدة بحور أشهرها الطويل والكامل والوافر والخفيف ـ كافية لأغراض الشعراء فى الجاهلية، ثم نشأت على أوزانها مجزوءات ومختصرات صالحة للغناء عندما استجدت الحاجة لذلك فى الحواضر التى عرفت الغناء على إيقاع الآلات الموسيقية.

ثم اتخذت هذه البحور أسماط (السمط فى الموشح هو كل شعر من أشطر الدور، وتختلف الأسماط من حيث عدد الفقرات بين موشح وآخر، والأهازين هى أهازيج الأغانى)، وتعددت قوافيها مع اختلاف مواقعها، وتطول فيها الأشطر (المصاريع) أو تقتصر، مع التزام قواعد الترديد فيها.

واختار بعض الشعراء فيما يقول الأستاذ العقاد ـ اختاروا نظم المثانى أو المزدوجات، وبعضهم نظم المقطوعات التى تجتمع فى قصيد واحد متعدد القوافى، أو تتفرق وتتعدد بأوزانها مع توحيد الموضوع.

هذا وحين نقلت الإلياذة اليونانية ـ فيما يقول ـ إلى النظم العربى، لم تضيق بها أوزانه، ولم يظهر فى سياق الترجمة ما يشير إلى قصور هذه الأوزان، واستجابت هذه الأوزان لمطالب المسرح.

ويضيف الأستاذ العقاد أن الموسيقار العصر الأستاذ «خليل اللاوردى»، أضاف فصلاً فى كتابه : «فلسفة الموسيقى الشرقية» لبحث التوزين (من الوزن) والإيقاع وتطبيق العروض العربى على الضوابط الموسيقية، وانتهى إلى إمكان التنويع فى الأوزان العروضية، واستطاعة الموسيقى والشاعر أن يفتتح أشكالاً غير محدودة للموازين، واعتمد فى تجاربه على الجهاز الفنى المسمى بالمترونوم، يقسم الدقيقة الواحدة من الزمن إلى فقرات بين أربعين ومائتين وثمان، فيمثل الحد الأدنى للفقرات المتناهية فى البطء.

ولم يلجأ الموسيقار إلى وحدات للنغمات غير وحدات الفواصل والأوتاد والأسباب التى يستخدمها العروضيون، ولم يجعل لها أقسامًا غير أقسامها المعروفة، كالسبب الخفيف والسبب الثقيل، والوتد المقرون والوتد المفروق، والفاصلة الصغرى والفاصلة الكبرى.

(السبب هو مقطع من حرفين، ويكون خفيفًا إن كان الحرف الثانى ساكنًا مثل «فا» من فاعلن، ويكون ثقيلاً إذا كان الحرف الثانى من الحرفين متحركًا، أما الوتد فهو مقطع من ثلاثة أحرف، فإن كان الحرف الساكن بعد متحركين سمى «الوتد المجموع»، وإن كان الحرف السكن بين حرفين متحركين سمى «الوتد المفروق»، أما الفاصلة الصغرى فهى اجتماع السببين الثقيل والخفيف مثل «متفا» فى متفاعلن، والفاصلة الكبرى هى اجتماع السبب الثقيل فالوتد المجموع» رجائى).

وحتى لا يُظلم الأستاذ العقاد بدعوى صعوبة متابعته، فإن هذا البحث ألقى على علماء متخصصين فى مؤتمر مجمع اللغة العربية كما تقدم.

وقد خلص الموسيقار العصرى ـ فيما يضيف الأستاذ العقاد ـ خلص إلى أن أشكال الموازين الشعرية غير محدودة، أو أن حدودها ـ كما يرى الأستاذ العقاد ـ أشبه بحدود الكلمات التى تتألف من الحروف الأبجدية التى قلما تزيد على الثلاثين.

ويستخلص الأستاذ العقاد، أنه إذا ما نظرنا إلى ما تم من أشكال العروض، وما يتأتى أن يتم منها مع التنويع والتوزين (من الوزن)، يثبت لنا أنها قائمة على أساس صالح للبناء عليه وتجديد الأنماط والأشكال فيه، على نحو يتسع لأغراض الشعر دون اللجوء إلى نقض أساسه.

ولا بد فى هذا السياق ـ فيما يضيف ـ من تفرقة أخرى، هى التفرقة بين القواعد والقيود فى كل فن من الفنون، فلا سبيل للاستغناء عن القواعد فى عمل له صفة فنية، ولكن لا ضرر من الاستغناء عن القيود ـ لا القواعد ـ التى تعوق حرية الفن ولا يتوقف عليها قوامه الذى يسلكه فى عداد الفنون.

rattia2@hotmail.com

www. ragai2009.com

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »