رجائى عطية

الشعر العربى والمذاهب الغربية الحديثة (1)

شارك الخبر مع أصدقائك

حول هذا الموضوع، ألقى الأستاذ عباس العقاد بحثًا ضافيًا فى الجلسة الثانية لمؤتمر مجمع اللغة العربية فى 17/12/1959، وهو من البحوث التى تضمنها كتاب: «بحوث فى اللغة والأدب» الذى جمع مادته عامر العقاد.

ولا شك كما قال الأستاذ العقاد أن نظم الشعر فى اللغة العربية فن مستقل بذاته بين الفنون الجميلة، وتلك مزية نادرة بين أشعار الأمم الشرقية والغربية، ذلك أن كثيرًا من أشعار الأمم تكتسب صفتها الفنية بمصاحبة فن آخر، كالغناء أو الرقص أو الحركة على الإيقاع، بيد أن النظم العربى معروف المقاييس والأقسام باستقلال عن غيره من فنون الغناء والرقص، ولا يصعب تمييزه بين شطرة وشطرة بمقياس الفنى من البحور والأعاريض والأوتاد والأسباب.

والبحور التى يشير إليها الأستاذ العقاد، هى البحور الخمسة عشرة التى استنبطها الخليل بن أحمد فى علم العروض، وزاد عليها الأخفش الأوسط المتوفى سنة 216 هـ/831 م البحر السادس عشر، ومسماه «المتدارك» باعتباره تداركًا على ما استنبطه الخليل. أما البحور الخمسة عشر، فهى: الطويل، والمديد، والبسيط، والوافر، والكامل، والهزج، والرجز، والرَّمَل، والسريع، والمنسرح، والخفيف، والمضارع، والمقتضب، والمجتث، والمتقارب، فضلاً عن المتدارك الذى استنبطه الأخفش الأوسط.
والبحور هى أنواع المعمار الموسيقى للشعر أو أوزانه، وقوامها التفاعيل التى يختلف ترتيبها وعددها فى كل بحر عن البحور الأخرى، وهى: فَعُولْنْ، مَفاعِيلنْ، مُتَفَاعِيلنْ، مُسْتَفْعِلُنْ، فاع لاتن، مستفع لن، وتنطوى هذه التفاعيل على حروف متحركة وأخرى ساكنة، وبعضها يكتب فى الكتابة ولا ينطق به، والعكس.

أما الأسباب والأوتاد التى يشير إليها الأستاذ العقاد، فهى أجزاء فى الميزان الشعـرى. السبب: مقطع مكون من حرفين مثل «فاه»، والوتد: مقطع من ثلاثة حروف متحرك فساكن أو من متحركين، وكل منهما (السبب والوتد) فيه الخفيف والثقيل، على تفصيل فى ذلك كله يحيط به علم العَروض، فضلاً عن علم القافية المعنى بها..
وليست هذه فيما يقول الأستاذ العقاد خاصة من خواص اللغات السامية أخوات العربية. فإننا فيما يوضح إذا أخذنا سطرًا على حدة من قصيدة عبرية لم نستطع أن ننسبه إلى وزن محدد أو مقياس متفق عليه، ولا بد من اقترانه بسطور أخرى يتم بها الإيقاع ولا تطرد فى قول كل شاعر ولا فى سطور كل قصيدة.

ومن الشعر الغربى فيما يقول ما يعرف كل سطر منه بعدد المقاطع والنبرات، والمقاطع التى يشير إليها هى بديل البحور فى الشعر الغربى، فمثلاً كلمة «voila» فى الفرنسية مكونة من مقطعين « voil - a» وعلى هذه المقاطع يدور الشعر الغربى على تفصيل فى ذلك ليس هذا مجاله، فضلاً عن أن الشعر الغربى بغير قافية تنتهى إليها سطور كل بيت، خلافًا للعربية التى تفردت بعنايتها بالقافية وعلى صنوف وأشكال مختلفة.

أما ضروب النظم الغربى التى تلتزم بالقافية ؛ فكلها فيما يقول الأستاذ العقاد كانت فى نشأتها تُغنّى أو تُنشد على إيقاع الرقص، ثم استقلت بأوزانها المحدودة على نحو مشابه للأوزان العربية، وهى الموشحات (الأندلسية العربية) التى اشتهرت عندهم باسـم «استاترا» أو اسم «سونيت»، والاسم الثانى أكثر استعمالاً.
على أن الاسمين يدلان على أصلهما من الرقص والغناء، فإن «استاترا» كلمة إيطالية تعنى الوقوف تقابلها ستاند stand بالإنجليزية، وسونت sonnet من كلمة song بمعنى الغناء.

فالشعر الذى لا يضبط بالوزن أو القافية موجود فى اللغات السامية واللغات الآرية، وبعضه لا يزيد الإيقاع فيه على الموازاة بين السطور بغير ضابط متفق عليه، وبعضه يضبط فيه الإيقاع بعدد المقاطع والنبرات، ولا ينتهى إلى قافية فى القصيدة أو المقطوعة الصغيرة.

أما الوزن المتسم بالأسباب والأوتاد والتفاعيل والبحور، فهو خاصة عربية نادرة المثال فى لغات العالم، وكذلك القافية التى تصاحب هذه الأوزان.
ويرجع ذلك فيما يرى الأستاذ العقاد إلى أسباب خاصة لم تتكرر فى غير البيئة العربية أهمها سببان: الغناء المنفرد، وبناء اللغة نفسها على الأوزان.

ويقول العلامة «جلبرت مورى» وهو من ثقات البحث فى الأوزان والأعاريض فيما يضيف الأستاذ العقاد يقول: «إن إحدى نتائج هذا الاختلاف زيادة الاعتماد على القافية فى اللغات الحديثة. ففى اللغات اللاتينية واليونانية ينظمون بغير قافية، لأن الأوزان فيها واضحة، وإنما تدعو الحاجة إلى القافية لتقرير نهاية السطر وتزويد الأوزان بعلامة ثابتة للوقوف. وبغير هذه العلامة تثقل الأوزان وتغمض ولا تستبين للسامع مواضع الانتقال والانفصال، بل لا يستبين له : هل هو مستمع لكلام منظوم أو لكلام منثور؟» .

«وقد اختلف الطابعون عند طبع الكتب هذا الاختلاف فى بعض المناظر المرسلة من كلام شكسبير، فحسبها بعضهم من المنثور، وحسبها الآخرون من المنظوم.
«ومما يلاحظ أن اللاتين اعتمدوا على القافية حين فقدوا الانتباه إلى النسبة العددية.. وأن الصينيين يحرصون على القافية، لأنهم يلتزمون الأوزان. وأن انتشار القافية فى أغانى الريف الإنجليزية يقترن بالترخص فى أوزان الأعاريض».

rattia2@hotmail.com
www. ragai2009.com

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »