شريف عطية

الشرطى الأميركى الجديد فى الشرق الأوسط؟!

شارك الخبر مع أصدقائك

شريف عطية:


مع كل انتخابات رئاسية أو تشريعية، تستهلها الولايات المتحدة لتجريب سياسات جديدة فى محاولة لتعديل مسارها إلى الأفضل بالنسبة لاختياراتها الاستراتيجية، من غير استثناء الانتخابات النصفية للكونجرس 4 نوفمبر الحالى، ذلك على مدى سبعة عقود منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، تحاول أميركا من خلالها أن تبرهن عملياً عن كونها القوة الكاسحة فى العالم، عسكرياً واقتصادياً، ابتداءً من قصف اليابان بالسلاح النووى 1945.. إلى تجريب بدع فى الاقتصاد السياسى، مثل مبدأ ترومان – مشروع مارشال- حصر الخطر الشيوعى.. ونظام المحالفات الدولية 1947، ولتتحمل بذلك مسئوليات عالمية دفاعية واقتصادية دفعت بها إلى خارج محيطها الآمن فى نصف الكرة الغربى.. الذى حرصت دائماً على الاحتفاظ فيه بمركزها الفريد، لا ينازع سيطرتها عليه أى منازع، الأمر الذى لم يستمر بعدئذ طويلاً، حيث لم توفق تمامًا على المستوى الدولى بين أحاديتها القطبية وتطلع دول أخرى إلى تحقيق مصالحهم المشروعة، كذلك، لم توفق دائماً على الصعيد الداخلى بين رؤى كل من «الانعزاليين» و«العولميين» الأميركيين.. لمواجهة الأزمات الخارجية مواجهة ناجحة، ولتنشأ من حول هذه الازدواجيات السياسية (الخارجية) فلسفات متعارضة.. بين نزعات كل من «المثالية» و«الإمبريالية».. التى نشبت حولهما خلافات- لا تزال- بين الفئات التى يتألف منها الشعب الأميركى، إذ تتناوبها إجراءات فردية وحزبية ومن أصحاب المصالح، متناقضة ومتضاربة، تبدو مؤخراً على سبيل المثال حين تناول المسئولون الأميركيون فى المؤسسات المختلفة.. (الخارجية والبنتاجون والبيت الأبيض والكونجرس) مواقف وتصريحات متباينة بشأن أزمات الشرق الأوسط والقرم.. إلخ.

فى سياق هذا المناخ، جرت الانتخابات النصفية للكونجرس قبل ساعات، بنسبة تصويتية متدنية، غاب عنها جزء كبير من القاعدة الليبرالية والنسائية للحزب الديمقراطى، ما أفقده أغلبيته فى المجلسين.. لصالح صعود اليمين الجمهورى، الذى قد يطيح بأجندة الرئيس «أوباما» فى العامين المتبقيين من ولايته، على الأقل بالنسبة للسياسة الداخلية، ولتجبره من ثم على تقديم تنازلات لخصوم الماضى، حتى يتفادى ضربة استباقية لحكمه، حتى ليبدو الأمر أشبه بانقلاب على برنامج «أوباما» الداخلى، وأيضاً إلى ما يشبه لعبة «شد الحبال» عند تناول بعض الملفات الخارجية.. من دون إحراز تقدم محتمل بشأنها، خاصة بالنسبة للملف المحورى فى الشرق الأوسط المتصل بالاتفاق النووى مع إيران، والمحدد له 24 نوفمبر الحالى لإبرامه من عدمه، إذ ربما يستند حال إقراره إلى توافق أميركى- إيرانى، قد يطاول مسائل إقليمية أخرى، عصيّة على الحل (..)، ما لم تشترك طهران فى تسويتها، شرط تذليل طغيان الأزمة السعودية- الإيرانية من ناحية، وإلى ضمان عدم رفض الكونجرس (الجمهوري) من ناحية ثانية إلغاء العقوبات المفروضة على إيران، الأمر الذى قد يدفع الإدارة الأميركية إلى استخدام حق النقض.. والمضى فى تسوية مع إيران، لا ترغبها إسرائيل ولا دول عربية، تطوى بها واشنطن الملف النووى الإيرانى بالتوازى مع الاعتراف – كما تطالب طهران – بدور إقليمى متميز لها، وكلها افتراضات محتملة ليست غير قابلة للتنفيذ، خاصة مع ما يدور من حرب باردة جديدة بين واشنطن وموسكو، تعظم دور طهران كعامل مرجح بين الطرفين.

على صعيد موازٍ، قد لا تكون ثمة معارضة بين الحزبين الجمهورى والديمقراطى.. لعدم التدخل عسكرياً فى سوريا، إلا أن هناك خلافًا بشأن الأخيرة بين سياسات حكومة واشنطن وأنقرة.. حيث تلتزم الأخيرة الحذر والتيقظ.. لترى كيف يمكن للأغلبية الجمهورية فى الكونجرس أن تؤثر فى سياسة «أوباما» الخارجية.. التى لم يعد له سواها، ليؤكد أنه ليس مضطراً للقبول بضغوط الجمهوريين التى قد تدفعه إلى التزام سياسة أكثر صرامة فى الشرق الأوسط.. تعيد حضور القوات الأميركية- كما يريد جمهوريون- للتواجد بقوة فى العراق.

من جانب آخر، تزهو الحكومة الإسرائيلية.. ورئيسها، بفوز الجمهوريين، إذ يساعدها ذلك على إدارة ظهرها لضغوط الإدارة الأميركية (الاستيطان- استئناف التفاوض… إلخ)، وحيث لا تجد الأخيرة من جانبها لتفادى آثار التمرد الإسرائيلى على حالة اللا استقرار بالمنطقة، سوى- ربما- الاستناد إلى دور أوروبى ضاغط، وإلى اللجوء إلى الأمم المتحدة، دون استخدام حق النقض لمقترح مشروع فلسطينى، يلزم إسرائيل بتوقيت محدد لإنهاء الاحتلال، ما قد يترتب عليه من تطورات ومواقف دولية جديدة، حافزها الأول الخوف من تدهور الأوضاع فى الشرق الأوسط، نتيجة التعنت الإسرائيلى، ما يهدد الأمن والسلم الدوليين.

أما عن مصر «العربية»، فإنها تتحفظ- ودول عربية وإقليمية- على مشروع «المحافظين الجديد» منتصف العقد الماضى.. لبناء شرق أوسط جديد «وموسع»، الذى جعل من عواصمهم ومجتمعاتهم محل تجريب لعضلات أميركية- وغربية.. إلى حد التخريب والدمار، سواء فى عهد الجمهوريين أو الديمقراطيين منذ مطلع القرن، لذا فإنه يستوى أمام القاهرة اعتلاء أحدهما أو انحساره عن سدة الحكم، إلا حال تجرأت عليها- بإيعاز أميركى- إحدى دول الجارات الإقليميات غير العربيات (إثيوبيا- إسرائيل- إيران- تركيا)، ما يثير التساؤل عن موقف للإدارة الأميركية الديمقراطية- غير مبرر أو مفهوم- يمنع عن القاهرة حقها فى مكافحة ذات الإرهاب، الذى شكلت واشنطن لمكافحته «تحالفاً دولياً»، تسعى من خلاله إلى خطب ود طهران، وللحصول على تعاونها فى التصدى معاً لدولة الخلافة الإسلامية- داعش- ومثيلاتها، وحيث كشفت صحيفة «وول ستريت جورنال» 6 نوفمبر الحالى عن رسالة بعث بها مؤخرًا.. «الرئيس الأميركى إلى مرشد الثورة الإيرانية شدد فيها على المصالح المشتركة للبلدين فى محاربة «داعش»، الأمر الذى ستتضح توابعه، سواء بالنسبة للاتفاق النووى 24 نوفمبر الحالى، أو فى تنظيف واشنطن للساحات الخلفية لإيران فى العراق وسوريا من ارتكابات «داعش» وما يماثلها من تنظيمات، أو بالنسبة لشروط التعاون المستقبلى المحتمل بين البلدين، ذلك من بعد أن تبين أن إيران باتت فى موقع القوة من بغداد إلى دمشق وبيروت وصنعاء، أى من شرقى السويس وجنوبه إلى شرق البحر المتوسط.

إلى ذلك وفى سياقه، توشك الولايات المتحدة على الانحسار التدريجى لمغادرة المنطقة، ذلك لبناء ركائز استراتيجية جديدة فى آسيا- المحيط الهادئ»، «المنطقة الأهم فى العالم- من وجهة نظرها- اقتصادياً واستراتيجيًا فى القرن21»، الأمر الذى يدفعها إليه الرغبة فى إعادة بلورة عناصر قوتها الاقتصادية، كذا للإبقاء على قوتها الأساسية على الصعيد العالمى، وهما اللذان أصابهما العطب على امتداد أكثر من نصف قرن أمضته الولايات المتحدة فى سياسات متضاربة ومتناقضة، لعبت خلالها دور شرطى العالم، الأشبه بالحارس الليلى الذى فقد أسلحته أو يكاد، وليفقد معها هيبته فى المنطقة التى تستعد من خلال إرهاصات أميركية وإقليمية معقدة.. لاستقبال الشرطى الأميركى الجديد فى الشرق الأوسط؟! 

شارك الخبر مع أصدقائك