«السيكوباتية » الإسرائيلية

شارك الخبر مع أصدقائك

شريف عطية :

شتان بين حدثين يرتبطان بتعقيدات الحرب والسلام بين مصر وإسرائيل، ما بين مظاهرات عمت مصر 1977.. ترحيباً بالسلام بعد حروب بينهما دامت لثلاثة عقود، وإن شابتها وقتئذ غصة فى الحلق، مرجعها عدم اطمئنان المصريين للنوايا السلمية الحقيقية لقادة إسرائيل، وبين المظاهرات التى اجتاحتها منذ منتصف نوفمبر الحالى .. تعبيراً عن الغضب عقب العدوان الإسرائيلى الأخير على قطاع غزة المتاخم، وهو الأول بعد أحداث الربيع العربى التى أحدثت – قبل عامين – تحولاً فى الذهنية المصرية الشعبية والرسمية غير تلك التى اعتادتها إسرائيل أيام حكم النظام السابق .. وتعاند الاعتراف بمتغيراتها على صعيد السلام العادل والشامل .

إلى ذلك، يتزامن – للمفارقة – هذان التوقيتان المتناقضان لمنظور السلام .. مع مرور 35 عاماً تنقص أسبوعاً على إلقاء الرئيس السادات خطابه فى الكنيست، حين أمل من وراء مبادرته الشجاعة، فى إحداث تحول فى العقلية الإسرائيلية، الموصوفة باعتراف علمائهم فى الاجتماع، بالسيكوباتية والخوف والفزع، ولينحو بها فى اتجاه السلام العادل والشامل، كما أكده فى خطابه الذى تابعه العالم بإعجاب .. بمن فيهم المخالفون لتفاؤله، ومن الإنصاف القول بنجاح «السادات » فى مهمته التأثير على الحاجز النفسى لدى الإسرائيليين، لولا أن الغايات العليا للمشروع الصهيونى «اللا واقعية » أكبر منه ومن الإسرائيليين أنفسهم، الأمر الذى أثبتته السنوات منذ زيارته للقدس حتى العام 2012 ، إذ أظهرت أن «حل الدولتين » غير مرجح إلا فى حال إقامة شبه دولة فلسطينية .. ذات حدود مؤقتة .. أشبه بالكانتونات تحت الهيمنة السياسية الاقتصادية والأمنية لإسرائيل، كما أن الأفق مغلق، لأسباب عديدة، أمام مشروع «الدولة الواحدة » إذ دون تحقيقه سنوات طويلة والمزيد من إراقة الأرواح لا حصر لها .

وخلال ثلاثة عقود ونصف العقد، كانت إسرائيل خلالها هى الأكثر استفادة من اتفاقات السلام بينها .. مع كل من مصر والأردن والفلسطينيين، كذا من مبادرة السلام العربية 2002 التى اعترفت بها ضمنا، إلا أنه غاب عنها – ولا تزال – أنها بكل ما تحصلت عليه خلال العقود السابقة .. قد أصبحت رهينة لمستحقات ذلك السلام، إما أن تبنى عليها فى اتجاه الفلسطينيين بصفة خاصة، أو أن تخاطر بتصفية تدريجية لاتفاقياتها السلمية .. لتصبح مجرد حبر على ورق .. وغير منفذة على أرض الواقع، إلا أن إسرائيل بركونها إلى الضعف العربى والانقسامات الفلسطينية .. ناهيك عن دعم غربى وأمريكى غير محدود، استمرأت التعامل مع التنازلات والضمانات التى حصلت عليها .. باعتبارها مجرد غطاء للمزيد من ابتلاع أرض الغير .. وتوسيع الاستيطان .. وفى الانجذاب نحو المزيد من القوة .

أما فى سياق المتغيرات التى أتت مع الربيع العربى .. تهدد بقلب المعادلة الإقليمية السابقة، وربما فى تعديلات فى المواقف الدولية، فقد كان من أهداف العدوان الإسرائيلى على غزة، إضافة إلى نسف محاولات الهدنة التى رعتها مصر بين إسرائيل وفصائل المقاومة فى غزة، اختبار مدى التزام القيادة الجديدة فى مصر باتفاق السلام، فى لحظة حرجة له على المستوى المحلى ومع الغرب، كذا لكى تثبت سواء لمواطنيها قبل أسابيع من الانتخابات التشريعية أو للدول المعنية بالصراع العربي – الإسرائيلى، أنها خارج سياق المتغيرات المستجدة فى المنطقة، وأن الحراكات الثورية العربية إنما هى شأن محلى لا دخل له فى مقتضيات وتطورات المسألة الفلسطينية – الإسرائيلية، الأمر الذى يثبت أن تفكير قادة إسرائيل لا يزال بنفس المنطق قبل تأسيس الدولة، وليس بمنطق السلام الذى استهله «السادات » منذ 35 عاماً، قبل أن تغلقه – ولا تزال – السيكوباتية الإسرائيلية .

شارك الخبر مع أصدقائك