اقتصاد وأسواق

السياسة «المالية» و«النقدية» تصل محطة الوفاق الودي

محمد بركة:   تناسب عكسي بين طرح أوراق الدين الحكومي ومنح الائتمان من الجهاز المصرفي للقطاع الخاص من منظور إدارة السيولة    %102 نمو في الأذون.. 5و10 للنسدات مقابل %25 فقط للائتمان خلال 5 سنوات.   هامش فائدة سلبي %5,8…

شارك الخبر مع أصدقائك

محمد بركة:
 
تناسب عكسي بين طرح أوراق الدين الحكومي ومنح الائتمان من الجهاز المصرفي للقطاع الخاص من منظور إدارة السيولة
 
 %102 نمو في الأذون.. 5و10 للنسدات مقابل %25 فقط للائتمان خلال 5 سنوات.
 
هامش فائدة سلبي %5,8 يعوق نمو الادخار المحلي مقابل توسع السياسة المالية في الاستدانة الداخلية
 
فرص حقيقية للتنسيق تبدأ بالحد من عجز الموازنة وضخ ائتمان جديد لتشجيع بيئة الأعمال وجذب الاستثمار

 
تراجع معدل التضخم في شهر أبريل الماضي فرصة للاختبار

 
يبدو أمراً بالغ الصعوبة امتطاء فارسين معاً صهوة جواد واحد كل منهما بشدة في اتجاه مختلف(!!) هكذا هو الحال، خفتت أو زادت حدة ضغط كل منهما في تشبثه بمقود الفرس – في أداء السياستين المالية والنقدية لدورهما داخل الاقتصاد المصري خلال سنوات الخطة الخمسية التي تنتهي بنهاية الشهر الجاري.

 
وإذا كان التعارض بين السياستين قد أثر بوجه عام علي كفاءة السياسات الاقتصادية خلال هذه الفترة، إلا أن تراجع حدة هذا التعارض خلال العام المالي الأخير (يوليو 2006 – يوليو 2007) أعطي الأمل في إمكان تجاوز تلك الظاهرة وبدء مرحلة من التنسيق الفعلي كان من المفترض أن يقوم بالعمل علي تحقيقها المجلس التنسيقي لتلك السياسات بين البنك المركزي ووزراء المجموعة الاقتصادية بالحكومة منذ تأسيسه قبل نحو ثلاث سنوات.

 
ويمكن الجذم بأن هذا التنسيق هو ما ينتظره القطاع المالي/ النقدي بوجه خاص والنشاط الاقتصادي بوجه عام لتحقيق عدة أهداف استراتيجية في مقدمتها مواصلة معدلات النمو الطموحة التي تستهدفها حكومة الدكتور أحمد نظيف، وكذلك السيطرة علي معدلات التضخم المتصاعدة، وهو ما يؤدي إلي هدف ثالث يمثل رافعة أساسية للنمو في خطط الحكومة ألا وهو زيادة معدلات تدفق الاستثمار الأجنبي من خلال تذليل العقبات التي تعترض تصميم نماذج العمل Business Model القادرة علي ضبط وتنشيط معدلات لتدفق العائد، تنعكس في نهاية المطاف أيضاً علي حجم الاستدانة المحلية الذي تعوض الاستثمارات الأجنبية الفارق بينه وبين متطلبات الإنفاق الاستثماري علي هذا النحو لا يصبح التنسيق بين السياستين المالية والنقدية مجرد ترف لتحسين مؤشرات الأداء الكلي للاقتصاد المحلي، وإنما ضرورة يمكنها في ظل غياب السيطرة علي الأهداف السابقة أن تقود إلي تعثر معدلات النمو أو اندفاع معدلات التضخم وهي عوامل طاردة للاستثمار جهية المحلي والخارجي للتنعكس أثار ذلك كله في تفاقم عجز الموازنة العامة للدولة عاماً بعد آخر، ومن ثم لا مناص من المهمة الإصلاحية التي يتعين علي صانعي الساستين القيام بها حتي يقودا معا الجواد في اتجاه واحد نحو محطة الإصلاح الاقتصادي الناجز.

 
وحتي نتعرف تفصيلياً علي الأهمية النسبية التي يحققها ذلك التنسيق لابد أن نرصد الآثار التي تركها غيابه خلال الفترة الماضية وحتي مشارف النهاية من العام المالي الأخير حيث يتعين التوقف عند 3 عوامل تحدد مستوي ذلك التنسيق الأول: التناسب العكسي بين التوسع في طرح أوراق الدين الحكومية ومعدل نمو منح الائتمان من البنوك باعتباره دالة علي الطابع التوسعي للسياسة المالية مقابل الطابع الانكماشي نسبياً من جانب الوحدات المؤثرة في محتوي السياسة النقدية من حيث طبيعة إدارة السيولة.

 
أما العامل الثاني: فيتعلق بتعارض استهداف التضخم والحد من ارتفاع الأسعار من جانب السياسة النقدية مع زياد نشاط النشاط السياسة المالية من أجل زيادة معدلات النمو سنوياً ويتمثل العامل الثالث في تأثير التعارض علي بيئة الأعمال، ومدي جاذبية الاستثمار، حيث تلعب مؤشرات الاستقرار النقدي دوراً محفزاً، بينما يلعب عجز الموازنة دوراً مقيداً، ربما يتطور إلي تهديد فرص الاستثمار.

 
فيما يتعلق بالعامل الأول تشير أرقام البنك المركزي إلي أن إفراط الحكومة في طرح أوراق الدين خلال السنوات الخمس الماضية، وهي الظاهرة التي استمرت خلال عام 2006 وحتي الفترة الحالية من العام الجاري، وكان رصيد السندات الحكومية قد قفز في عام 2002 من 113 مليار جنيه إلي 229 مليار جنيه حتي النصف الثاني، العام المالي الجاري بنسبة نمو تصل إلي أكثر من %102 في الوقت نفسه قفز رصيد الأذون المسحوبة علي الخزانة من نحو 40 مليار جنيه إلي أكثر من 106 مليار جنيه بنسبة نمو %265، وهي نسب نمو هائلة في الحالتين تشير إلي توسع لا تقابله أي 606  مليار جنيه حتي نهاية الربع الثاني، العام المالي الجاري.

 
مقابل هذا النمو الهائل في طرح أوراق الدين الحكومية، وأن لم يستمر بمعدلاته خلال العام المالي الأخير حيث بلغت نسبة نموه نحو %13 فقط بالنسبة للأذون وأقل من %5 بالنسبة للنسدات، فإن الائتمان المحلي للقطاع الخاص تحرك في الفترة من نهاية العام المالي 2002/2001 من نحو 200 مليار جنيه إلي 253 مليار جنيه فقط بنسبة نمو تصل إلي نحو %25 فقط، مما يعكس خللاً واضحاً في هيكل الائتمان المحلي وتوزيع النقود داخل سوق النشاط الاقتصادي. بدأ في التحسن النسبي مع سعي السلطة النقدية والحكومة من جهتي كل منهما إلي زيادة معدلات التنسيق بين السياسات النقدية والمالية خلال العام المالي الأخيرة.

 
رغم بوادر الحل إلا أن ذلك الخلل الهيكلي يحدث كما يري علي سبيل المثال الخبير المصرفي خليل أبو راس عندما يتبني الجهاز المصرفي سياسة تحفظية تجاه منح الائتمان سواءاً تحت سطوة الخبرة السابقة لمرحلة التعثر المصرفي التي بدأت كاهرة في عامي 1999 و 2000 أو نتيجة لعدم وجود طلب فعال علي الائتمان الرأسمالي، وهو ما يثير إلي معالم موجة انكماشية واضحة لها مواصفاتها الخاصة التي تبدو متعارضة تماماً مع التوجهات «التوسعية» للسياسة المالية، التي أعلنت الحكومة عن استهدافها عبر تشريعات وإجراءات تنظيمية تساعد علي جذب الاستثمارات الأجنبية والمحلية في مقدمتها خفض الضرائب وخفض أسعار الطاقة للمشروعات الإنتاجية وتسهيل التحويلات الرأسمالية إلي الداخل والخارج معاً فضلاً عن دور عامل بالغ الأهمية في توجيه السياسة المالية التوسعية هو الاعمتاد علي زيادة عرض الأصول المدرجة في برنامج الخصخصة في البيع سواء تم ذلك تحت شعار زيادة مخصصات تنفيذ الخطط الاستثمارية للدولة من خلال حصيلة البيع أو تم توجيهها إلي الإنفاق العام.

 
ووفقاً لأرقام البنك المركزي فإن إجمالي الشركات العامة التي تم بيعها اعتباراً من يونيو 2002 وحتي يونيو 2006، بلغ 55 شركة بينما ارتفع هذا الرقم حتي نهاية 2006 إلي 65 شركة وبلغت القيم التراكمية لعملية بيع الأصول اعتباراً من يونيو 2002 وحتي ديسمبر 2006 نحو 32  مليار جنيه يفترض أن يكون قد تم توجيهها إلي تمويل الانفاق الاستثماري، وهو ما يدلل علي التوجه التوسعي للسياسة المالية.

 
رغم ذلك فإن الائتمان المحلي للقطاع الخاص لم يحقق نمواً بالقدر المطلوب بسبب الطابع التحفظي للسياسة النقدية التي حدت من قدرة النشاط الخاص علي مواكبة متطلبات النمو لتصبح أموال الجهاز المصرفي في متناول الحكومة كمدين رئيسي أكثر مما هي متاحة أمام القطاع الخاص، واستمرت  الحكومة صاحبة مصلحة في إيجاد مهرب أمام البنوك لتفادي مخاطر توجيه الائتمان إلي القطاع الخاص لأنها بمرور الوقت استطاعت الاستفادة من انخفاض أسعار الفائدة وبالتالي خفض تكلفة الدين العام المحلي المتزايدة عاماً بعد آخر بسبب توالي عجز الموازنة، هذا الوضع كان محصلة طبيعة لغياب التنسيق.

 
استمراراً لغياب التنسيق وبناءاً علي السياسة التوسعية التي انتهجتها الحكومة علي الصعيد المالي فإن قيامها بزيادة اسعار الوقود في يوليو من العام الماضي دفع معدلات التضخم إلي الارتفاع بمستويات هائلة من نحو %5 وفقاً للأرقام القياسية لأسعار المستهلكين حتي %12,8 في مارس الماضي، وكان ذلك سبباً في سعي البنك المركزي للحد من ارتفاع تلك المعدلات والحفاظ علي المستوي العام للأسعار في إطار السياسة النقدية التي تعمل علي امتصاص  فوائض السيولة وزيادة الفائدة الدائنة علي الودائع والمدينة علي القروض للعمل علي تجميع تلك الفرائض بما لذلك من آثار اذكماشية تعارض توجهات السياسة المالية التوسعية.

 
وإذا كان البنك المركزي حرص علي التعايش مع السياسة المالية التوسعية والعمل من أجل الحد من التضخم فإن السياسة المالية واصلت الاندفاع نحو زيادة معدلات الاستدانة من الداخل بهدف متابعة مساعي زيادة مستويات النمو إلي %7 ثم %8، ليوقد ذلك التوجه إلي إرباك خطط السياسة النقدية وتشوه هيكل أسعار الفائدة ليتراجع سعرها الحقيقي إلي مستوي سالب %2,8 بعد خصم معدل التضخم من سعر الفائدة الأسمي، وليصبح ذلك بمثابة عامل طارد لنمو الإدخار الوطني وبما يعمل مرة أخري علي إضعاف معدلات النمو ليكون الوضع بمثابة الدائرة التي تسلق نقطة البداية فيها إلي النهاية في صورة متوالية متصلة.

 
في ظل هذا الوضع صعبت السيطرة علي معدلات التضخم لفترة من الوقت حتي بدأت في التراجع الطفيف اعتباراً من شهر أبريل الماضي حيث انخفضت إلي أقل من %12، ومازالت توجهات التخضم محل اختيار علي نحو حاسم خلال الفترة القادمة مع تنامي حرص البنك المركزي علي امتصاص فوائض السيولة دون استخدام أداة سعر الفائدة علي نحو حاد.

 
ولما كان التوسع في امتصاص فوائض السيولة لا يتعارض ظاهرياً مع التوسع في طرح أدوات الدين الحكومية من أذون وسندات فإن المشهد بدا لو أن مبررات انتاج الموقف نفسه في كل من السياسة المالية والسياسية النقدية وأحد إلا أن الأولي كان هدفها التوسع في الإصدار لتمويل عجز الموازنة بتكلفة أقل للاستدانة في الوقت الذي يفعل ذلك البنك المركزي لا لشي سوي امتصاص فوائض السيولة ومنح البنوك فرصة للاجتهاد في توليد الربح دون ضغوط من تلك الفواض غير المستخدمة.

 
فيما يتعلق بالعامل الأخير الذي يخص بيئة الأعمال، وتأثر جاذبية الاستثمار بالتعارض الذي ينعكس في جودة المؤشرات النقدية مقابل العجز المزمن في الموازنة العامة، فإن هذا التعارض ألقي بظلاله علي نمو التدفقات الاستثمارية إلي الداخل بالرغم من أن الأرقام الرسمية تشير إلي أن حجم  الاستثمار الأجنبي المباشر ‘FDI قد بلغ خلال العام المالي 2006/2005 نحو 6.5 مليار دولار، وأن نصيب الربع الأول من العام المالي 2006/2007وحدة بلغ 2.3 مليار دولار، ومع ذلك كان من المتوقع أن تزيد تلك التدفقات في ظل استقرار أسعار الصرف ما بين الجنيه والعملات الدولية الرئيسية بما يتيحه ذلك من زيادة كفاءة حسابات التكلفة والربحية بعيداً عن تقلبات الصرف التي كانت سائدة في السابق.

 
كما ساعدت القواعد التي ينظمها »المركزي« لتحويل الأرباح الرأسمالية الأجنبية إلي الخارج في زيادة ثقة الأجانب في دخول السوق المحلي، ولعب تنامي الاحتياطيات الدولية التي جاوزت 20 مليار دولار دوراً مهماً في زيادة معامل الثقة في الاقتصاد المحلي وقدرته علي الوفاء بالتزاماته في مختلف الآجال، إلا أن نمو عجز الموازنة من عام إلي آخر والذي انعكس في زيادة حجم الدين العام المحلي حتي وصل إلي أكثر من 606 مليارات جنيه أصبح يمثل تهديداً مباشر لمناخ الاستثمار بما يحركه من عوامل تضخمية تدفع إلي مواصل ارتفاع الأسعار، وتهديد مناخ وآليات السوق باتخاذ أي سياسات تقلل من حوافز الاستثمار الممنوحة بحثاً عن توليد عائد يساعد علي تحمل أعباء تلك الاستدانة والإنفاق العام.

 
علي هذا النحو تبدو موجبات التنسيق بين السياستين المالية والنقدية ذات أهمية كبيرة من أجل دفع معدلات النمو وزيادة كفاء{ إدارة السيولة المحلية وتخفيف أعباء المالية العامة للدولة، فضلاً عن تشجيع الاستثمار الأجنبي، ورغم صعوبات الفترة الماضية منذ وضعت الحكومات المتعاقبة من حكومة الدكتور عاطف عبيد وحتي حكومة الدكتور أحمد نظيف علي عاتقها مهمة الإصلاح الاقتصادي فإن مؤشرات التنسيق بين السياستين لم يظهر إلي العلن بما ينعكس علي خفض نسبة العجز في الموازنة العامة للدولة وهو ما تعهدت به وزارة المالية علي أن تكون نسبة انخفض في حدود %1 سنوياً.

 
كما قامت وزارة المالية بتحويل جانب من ودائع الجهات الحكومية إلي الحساب الموحد بالبنك المركزي بهدف الحد من ذلك العجز في محاولة من جانب الوزارة لتقليل الاعتماد علي الاستدانة المحلية والتوسع في طرح الأذون والسندات وهو ما أدي إلي انخفاض نسبة الدين العام المحلي إلي إجمالي الناتج المحلي %96,1 في نهاية العام المالي 2006/2005 إلي %19,3 حتي نهاية الربع الثاني من العام المالي  2007/2006 وهو ما يعني نجاح السياسة المالية في الحد من العجز دون أن تتخلي عن التوجهات التوسعية العامة الهادفة إلي زيادة معدلات النمو إلي %8 سنوياً.

 
كما أن البنك المركزي من جانبه يعد لآلية لاستهداف التضخم لا تترك آثاراً تعيق التعايش بين متطلبات النمو، وما يلحق به من آثار تضخمية علي المدي البعيد يهدف المركزي كذلك إلي التدخل باستخدام سعر الفائدة من أجل حث البنوك علي منح الائتمان حتي لا تزيد أعباء تكلفة الأموال في ظل وفرة السيولة حيث يلعب سعر الفائدة دوراً ضاغطاً للعمل علي خفض تلك التكلفة.

 
وفي هذا الصدد يبدو إصلاح عجز الموازنة عاملاً حافزاً  علي زيادة معدلات الائتمان لغير الجهات  الحكومية والقطاع العام، وهو ما كان محوراً لتراشق غير مباشر بين وزير المالية الدكتور يوسف بطرس غالي الذين أنحي باللائمة علي المستوي المتدني لمنح الائتمان داخل الجهاز المصرفي والذي تبلغ معدلات نموه نحو %8 سنوياً تمثل ما يقرب من %6 من الناتج المحلي الإجمالي بينما المطلوب أن ترتفع فوق %14 لتحقيق مستوي النمو المستهدف من جانب الحكومة، وهو ما كان »المركزي« بدوره قد رد عليه بأن الوصول إلي تلك المعدلات في منح الائتمان يقتضي من »المالية« خفض نسبة العجز إلي أقل من %5 سنوياً حتي لا تستمر الحكومة المستدين الأكبر من الجهاز المصرفي.
 
هذا التراشق هو الفصل الأخير الأخير حتي الآن في علاقة السياسة المالية بالسياسة النقدية رغم إدراك صانعي السياستين في الوقت الراهن لأهمية التنسيق فيما بينهما من أجل قطع شوط ملموس للمواطن علي صعيد مشروع الإصلاح الاقتصادي.

شارك الخبر مع أصدقائك