السياسة القاتلة

شارك الخبر مع أصدقائك

د . ماجدة برگة:

كلنا يعرف أن الحرب تقتل، لكننى أتكلم عن شىء آخر، كلنا أيضا يعرف أن السياسة تقتل، قتلت قادة ثوريين، فكلنا سمع أن الإقطاع قتل صلاح حسين فى كمشيش، والاستبداد السياسى قتل شهدى عطية الشافعى فى السجن، وأن الرجعية قتلت جيفارا فى أحراش كولومبيا والليندى فى قصره الرئاسى فى تشيلى، كلنا يعرف أن السياسة قتلت الشعوب المنتفضة فى مظاهرات ما قبل سقوط الشاه فى إيران وفى قتل نظام بول بوت للناس بمئات الآلاف فى كمبوديا وفى الحرب الأهلية الإسبانية وفى مظاهرات الثورة المصرية فى التحرير ومحمد محمود ومجلس الوزراء وماسبيرو والسويس والإسكندرية . لكن ما أقصده هنا هو السياسة تقتل كمدا ..

تحضرنى أمثلة كثيرة من عالمنا العربى ومن مصر، خليل حاوى الشاعر اللبنانى الذى انتحر حزنا من مجريات الحرب الأهلية اللبنانية التى انتهت بمشاهدته من منفاه فى استراليا الاجتياح الإسرائيلى للبنان وحصار بيروت فى 1982 ، أروى صالح الناشطة فى حركة الطلبة فى السبعينيات انتحرت إحباطا بعد انكسار الموجة الثورية ببضع سنوات، الشاعر وكاتب السيناريو ورسام الكاريكاتير صلاح جاهين الذى أصابه الاكتئاب بعد هزيمة يونيو 67 فأمضى عدة سنوات يحاول الخروج من الاكتئاب حتى مات بجرعة زائدة من أدوية اكتئابه فى أبريل 1986 ، الكاتب أحمد بهاء الدين الذى أصيب بنزيف فى المخ انفعالا من هجرة مليون روسى يهودى الى إسرائيل أنهى صلته الفعلية بالحياة فى عام 1996 ، عالم الوراثة وتطبيق البيولوجيا الحيوية فى الزراعة الدكتور أحمد مستجير الذى أصيب بجلطة شديدة فى المخ فى النمسا وهو يشاهد مشاهد المذابح والتدمير الذى قامت به إسرائيل فى لبنان فى عام 2006 وقبله الفنان والمثال المبدع جمال السجينى الذى داهمته أزمة قلبية فى إسبانيا سنة 1977 ، وهو يشاهد على شاشة التليفزيون زيارة االرئيس أنور السادات للقدس .

هل هذا هو السبب الذى يبعد الكثيرين عن السياسة؟ يبدو أن الناس يدركون جيدا أن السياسة كالحب وأكثر، هى أقرب إلينا من حبل الوريد، ربما لهذا السبب لا يقتربون منها إلا حينما يرون بصيص أمل فى «الفوز » ويبتعدون حينما يعرفون أن الخصم «يمارس الغش » بما يخل بأصول اللعبة وبأى أمل فى الخروج من النفق فينكفئون حتى لا يموتوا هما وكمدا .. هذا تحذير لأصحاب المشاعر الدافقة والرقيقة فخليل حاوى كان شاعرا وكذلك صلاح جاهين وحتى أحمد مستجير مؤسس علم الوراثة فى مصر كان شاعرا، جمال السجينى كان فنانا، أحمد بهاء الدين كان إنسانا رقيقا . هؤلاء عرفنا بوفاتهم وأسبابها لأن لهم نصيبهم من الشهرة، لكن كم من البشر العاديين قتلتهم السياسة هماً وكمداً دون أن نعرف؟ كم مثل مستجير والسجينى قتله ما يشاهده على شاشة التليفزيون؟

ليست هذه دعوة للانسحاب والتقوقع واعتزال الشأن العام، على العكس هذه دعوة للعمل الجماهيرى الواسع الذى فيه حماية للمشاركين فيه، سمعت من لام المطالبين بالقصاص للشهداء فى ذكرى شهداء شارع محمد محمود الأولى بأنهم دخلوا إلى «مصيدة الشارع » بدلا من الدعوة الى مظاهرة كبرى فى الميدان الذى يصعب حصارهم فيه . هذه دعوة لئلا ينسحب «المكتئبون » ، فالناس اليوم على المحك . يدركون أن النصر ممكن، فلا يخرجون كلهم من الحلبة، لكن بعضهم يخرج إحباطا من بطء الإنجاز والالتفاف على أهداف الثورة وخروج عفريت التطرف ومغالبة من يقولون إنهم الأغلبية ومحاولة فرض منظور وتفسير أحادى للدين مع المراهنة على المتاجرة بالعاطفة الدينية وتواضع المستوى التعليمى للأغلبية، الدفاع عن «الشريعة » مع عدم فهم واضح لحدود ما تعنيه هذه الكلمة .

هناك تخوف من اشتعال ما يشبه حربا أهلية بسبب استعراض هذه التيارات لقدراتها الضخمة على الحشد فى أمثال «جمعة قندهار » ، ماذا قد يحدث عندما يتواجه الفريقان فى التحرير؟ لكن، أين كانت هذه القدرة الهائلة على الحشد من أنصار تيار الإسلام السياسى أيام الرئيس مبارك؟ لماذا لم يسعوا الى تطبيق الشريعة ضد «النظام العلمانى الليبرالى الكافر » أيامها فيحتشدون مثلما يفعلون هذه الأيام؟، خصوصا أن للفاشية والنازية تاريخا فى الحشد والاستعراض الجماهيرى وقمع «الإنسان الفرد » والفردية عموما؟

الساعون الى تلافى مواجهة دموية يدعون الى العصيان المدنى العام، لكن هل علينا فعلا تجرع هذا الدواء المر؟ الانقسام حول التأسيسية لا ينبئ بحل توافقى فى الأفق القريب والأجواء كما قال المستشار طارق البشرى أمس غير مواتية لوضع دستور جديد، فإذا كنا لا نريد مواجهات دموية ولا انهيار الاقتصاد الذى قد يصاحب العصيان المدنى ولا الدخول فى الاكتئاب السياسى الوجودى، ألا يجدر بنا حلا لمشكلة اليوم، وليس لمشكلة المشاركة السياسية الشاملة بوجه عام، النظر فى المخرج العملى القانونى المتمثل فى العمل ولو مؤقتا بدستور 71 قبل تعديلاته المكروهة؟

شارك الخبر مع أصدقائك