المال - خاص

السياسة الخارجية والأنظمة السياسية

شارك الخبر مع أصدقائك

بقلم توفيق إكليمندوس:

اختتمنا المقالة السابقة بتساؤل عن دور المشاعر والعواطف فى السياسة الخارجية… وهل هو شر كله أو خير كله.

الواقع أن قراءة الكثير من المصريين لتاريخ مصر الحديث تحرضهم ضد المشاعر والعواطف باعتبارها دفعتنا إلى تجاهل صوت العقل فى أحوال ليست بالقليلة لا سيما سنة 1967… والبعض يضيف قرارات أخرى مثل التأميم والتدخل فى اليمن.

بداية أقول إننى أقصد هنا بالعقل القدرة على الحسابات الدقيقة المتعلقة بالمكسب والخسارة المادية وبتقييم قدراتنا المادية على تحقيق هدف، أى العقل الأدائى، ولا أتحدث عن العقل الأخلاقى رغم أهمية دوره المحدد للخيارات الأكثر اتساقا ومنظومة القيم التى نؤمن بها، وفى ذلك تبسيط أرجو ألا يكون مخلا.

ولنتوقف قليلا أمام جملة «تجاهل صوت العقل»… من الجلى أن المشاعر قد تدعم صوت العقل ولا تسكته فى أحوال كثيرة، بمعنى أنها تمد المنفذين لسياسة عقلانية بعزيمة وإصرار واستعداد للشهادة، وأن المشاعر قد تحسم قضية عجز العقل عن المفاضلة بين خيارات… على سبيل المثال سنة 1973 كنا نواجه واقعا يقول إأن إسرائيل أقوى منا وإن الفارق بيننا يتسع كل يوم، فكنا مخيرين عقلانيا بين المواجهة قبل أن يتحول الفارق الساحق إلى فارق تعجيزى، والاستمرار فى حالة اللا سلم واللا حرب، والعواطف والنخوة هى التى حسمت الموضوع وتغلبت على كل الصعاب.

وأدرج تحت هذا البند الأحوال التى يرى فيها العقل أن تلك السياسة مفيدة على المدى القصير ومضرة على المدى الطويل، أو العكس، هنا تلعب العواطف دورا كبيرا فى حسم الموضوع إلى جانب العقل الأخلاقى..

وهناك أحوال تفرض فيها المشاعر علينا تجاهل صوت العقل، وتكون هى المحقة ويكون العقل هو المخطئ، مثلان يخطران على البال… قرار تأميم قناة السويس، فالحسابات غير المتأثرة بعواطف هذا العصر – الرغبة العارمة فى التخلص من الاستعمار واسترداد العزة والكرامة- كانت تحتم التروى، ولكن ناصرا قرر أنه آن أوان رفض الإهانات والإملاءات مهما كان الثمن. وكان على حق.. وفى الحقيقة لم يكن فقط على حق، فى الحقيقة هذا الفصل من تاريخنا هو من أعظم معاركنا.

والثانى موقف بريطانيا العظمى سنة 1940 بعد انهيار فرنسا المفاجئ والمهين، أصبحت بريطانيا تواجه بمفردها دولة تتحكم فى كل أوروبا، صاحبة جيش سحق فى شهر جيشا كان يعد من أقوى جيوش العالم، وعرض هتلر سلاما بشروط بدت للجميع سخية، لأنه كما اتضح فيما بعد كان يرغب فى الانقضاض على الاتحاد السوفييتى، ولكن بريطانيا رفضت وقررت المضى فى حرب رغم أفق بدا مسدودا، وتحملت قصفا متواصلا وانتصرت فى النهاية.

وفى الواقع المشكلة أكثر تعقيداً من ذلك، فالمشاعر تتدخل فى حسابات القادة، وتؤثر عليها وتوجهها، فإذا أراد قائد بقلبه اتخاذ قرارا ما، فإنه قد يطوّع حساباته ويوجهها لتصل إلى الخلاصة التى يريدها، فمن الواضح أن «ناصر» مثلا أجرى حسابات دقيقة قبل تأميم القناة أو قبل التدخل فى اليمن، وكانت لها وجاهة لا يعترف بها خصومه، إلا أننا تستطيع أن نقر أن قائدا آخرا تحركه عواطف ومشاعر مختلفة كان سيصل إلى قرار معاكس ومبنى أيضا على حسابات لها وجاهة.

ومن ناحية أخرى يخفق الكثير من القادة فى حساباتهم لأنهم لا يأخذون مشاعر الخصم أو الأطراف الأخرى فى الاعتبار، فيتصورون أن الفاعلين سيتقيدون بحسابات المكاسب والخسائر المادية، على سبيل المثال عبد الناصر سنة 56 بنى تقديره القائل إن فرنسا وبريطانيا لن تتدخلا على حسابات لا تخلو من عمق، إلا أنها تجاهلت التفاعل العجيب بين الغطرسة والخوف من الظهور فى شكل الضعيف.


توفيق إكليمندوس أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية

شارك الخبر مع أصدقائك