توفيق اكليمندوس

السياسة الخارجية والأنظمة السياسية (7)

شارك الخبر مع أصدقائك


أطلب من القارئ الكريم اعتبار تلك المقالة والتالية لها جملة اعتراضية فى سلسلة تناولت العلاقة بين السياسة الخارجية والأنظمة السياسية ٬ نعرض اليوم لجوانب لقاء شيق جمع هذا الأسبوع أكاديميا غربيا بارزا له باع فى العلاقات الدولية وفى العلوم السياسية ولفيفا من نظرائه المصريين. قام الأكاديمى الغربى بعرض سريع للأفكار الحاكمة لأحدث كتبه وناقشه المصريون.

الأكاديمى الغربى أوروبى من ذوى الأصول الشرقية٬ ينتمى إلى صفوف اليسار٬ قام بتأليف كتب هامة ترجمت إلى لغات متعددة منها العربية٬ حول نظرية الدولة٬ وحول مفهوم الثقافة٬ ونظريات التحديث٬ ثم تفرغ للعلاقات الدولية منذ بداية التسعينيات٬ وهو يشكل لغزا بالنسبة لي٬ فهو ذكى٬ قارئ نهم٬ لديه من المعلومات الكثير٬ ولكن مستوى تحليلاته يتراوح بين العبقرى والضعيف جدا٬ ولم أجد تفسيرا مقنعا لهذا التذبذب٬ وما سمعته فى هذا الصدد لم يقنعنى.

وعلى العموم لم أقرأ كتابه الأخير٬ فمعلوماتى عنه مصدرها حديثه. وحديثه هذا لم يكن محاضرة بل حوارا٬ وقد يكون أثر هذا على عرضه سلبا٬ لأن لعبة الأسئلة والأجوبة منعت عرضا مرتبا لفكره يتحمل هو مسئوليته.

يرى الأستاذ أن القرن 21 سيكون قرن الجنوب٬ وتعريفه للجنوب يشمل كل قطر أذله الغرب فى القرنين الماضيين٬ ومن ثم يضم هذا الجنوب الصين ودول شرق أسيا، ويذهب الأستاذ إلى أن ممارسات هذا الجنوب سترسم نظاما عالميا جديدا يختلف إلى حد كبير عن سلفه النظام الغربى. ويرى أن الأخير تأثر بتصورات المفكر توماس هوبز عن مفهومى القوة والسيادة مما أدى إلى عسكرة العلاقات الدولية٬ وزاد الطين بلة تصور غربى مصدره دينى ولكنه لم يختف مع العلمنة… وهو أن الغرب مكلف برسالة عالمية يجب نشرها فى كل أنحاء المعمورة… فى أول الأمر المسيحية وحاليا الديمقراطية٬ والصين لا تؤمن بأنها صاحبة دين أو نظرية أو نظام سياسى يحب نشرها فتحترم خصوصية الجميع فنحن كلنا «أبناء السماء»… طبعا هذا الكلام يعنى ضمنا أن الاعتقاد بعالمية الرسالة له آثار ضارة وهو كلام له جانب من الصواب، وجانب من الخطأ… ولكن لم يعترض أحد. وأضاف أن الصين لا تحب القوة العسكرية ولا عسكرة العلاقات الدولية… هى تريد فتح أسواق ولن تفتحها بقوة السلاح بل بالتغريب والتمكين٬ وذكر مثالا: لو لم تملك ميناء يسمح لك باستقبال السلع الصينية سيبنونه لك. ورأى فى التوجه الاستراتيجى الأمريكى الجديد بإعادة الانتشار فى آسيا، دليلا جديدا على «عجز الغرب عن التخلص من منطق القوة العسكرية» وأظنه قال إن عصر السيطرة الكاملة على النظام العالمى ذهب إلى غير رجعة.

وهذا الكلام هام ومردود فى آن واحد وتصدى بعض الحاضرين لبعضه٬ اعترض أحد زملائى مركزا على نقطتين… من ناحية التراث الغربى لا ينحصر فى هوبز بل هناك أيضا ماكيافيلى وغيره٬ وكان من الممكن القول إن الفكر الغربى يعرف مفهوم الحيلة٬ ولا يوجد ما يمنع الدول الغربية من انتهاج سلوك يشبه السلوك الصيني، ومن ناحية أخرى قال الزميل إنه لا يمكن القول بأن الصين تهمل القوة العسكرية وتستبعد اللجوء إليها٬ فهى تنفق أموالا طائلة على جيشها٬ ولا يوجد ما يضمن عدم لجوئها إليها. أفصل هنا ما أجمله الزميل العزيز… الصين تكره الحروب لأنها مدمرة٬ وتنتهج تاريخيا استراتيجية قائمة على الترغيب والتخويف٬ لدفع الدول الأخرى إلى قبول شروطها دون نزاع مسلح٬ ولكن التخويف يقتضى وجود قوة عسكرية كبيرة، وأحيانا إبداء الاستعداد للجوء إليها٬ وكراهية الحروب لا تعنى استبعادها نهائيا٬ فقد قامت الصين بعمليات محدودة ضد فيتنام مثلا…. يتبع

  • أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية

شارك الخبر مع أصدقائك