السليم والكسر

شارك الخبر مع أصدقائك

لبنى صبرى :

عاد المصريون لحرفتهم القديمة، نحت تماثيل الآلهة وعبادتها، آلة جبارة تنحت وتسوى وتلقى فى الصناديق، صندوقان للـ«سليم» وما يسقط بينهما «كسر»، تقبض اليد الضخمة على كل فرد لا يفلت منها أحد، تشكله وتسويه، تصقله وتلمعه، ترهبه وترغبه وتلقى به فى صندوق من اثنين، أهلى وزمالك، مسلم ومسيحى، مؤيد لـ«الانقلاب» ومؤله للسيسى، مناصر للبرادعى ومخون له.. صناديق صلبة تعلو جدرانها يوما بعد يوم ومن يسقط بينها فهو مجرد كسر تدهسه الأقدام وتسحله، تقتله، تخونه، تمزقه، ولا يجرؤ أحد على الدفاع عنه – ببساطة يخجل الناس من الانحناء للتقليب فى الكسر وصناديق السليم ممتلئة!

يحتمى ساكن كل صندوق بجدران صندوقه العالية الصماء فلا يرى شيئا خارجه، والآلة الجبارة تواصل عملها.. تشكل تسوى وتلقى فى الصناديق، ناسية أن من تشكلهم بشرا متفردين لهم الحق فى الاختلاف، وعندما يحاول أحدهم مقاومة تشكيله وتعليبه تفعصه اليد الجبارة فيسقط من بين أصابعها كسرا.

طلب الشعب التغير وتشدق به على مدى عامين ونصف العام غير مدرك انه يثور وهو يعلى جدران صناديقه وأن التغيير يبدأ بتحطيم الصناديق، التغيير يبدأ من الكسر، ذلك الحر الذى لا تمنع عنه جدران رؤية الآخر. أما سكان الصناديق فلا يرون غير انفسهم لا يكلمون سوى انفسهم، يتشدقون بمعان لا معنى لها فى حياتهم العملية، فالمسلم يدعى التسامح وهو لا يكف عن ترديد «الدين عند الله الإسلام» والأهلاوى والزملكاوى على حد سواء يدعى «تشجيع اللعبة الحلوة» لكنه ينظر باستعلاء لمشجعى أى فريق ثالث، ومؤيد ثورة 30 يونيو يقول «شعب جيش شرطة إيد واحدة» ولا يرى على الإطلاق أن نسبة قد تصل على أقل تقدير إلى 20 بالمائة من هذا الشعب ترى هذه الثورة انقلابا، ومن يقولون انقلابا لا يرون أن الأعداد التى خرجت تطلب هذه «الثورة» فاقت بكثير الأعداد التى أوصلت المنقلب عليهم للسلطة.

أمسكت بى اليد الجبارة وحاولت القائى فى أحد الصناديق، لكنى ارتكبت المعصية الكبرى وصرخ «نعم أؤيد عزل مرسى لكن ما حدث فى فض الاعتصام مذبحة»، أفلتتنى اليد من بين أصابعها فسقط مع الساقطين فى خانة الكسر، نظر لى سكان الصندوقين بقرف، قالوا: «خائنة، جاهلة، تمسكين العصا من منتصفها، عدم اتخاذ موقف فى هذا الوقت خيانة»، أردت أن أقول لهم إن موقفى موقف لكنه فقط يختلف عن مواقفهم، لكنهم لا يسمعون، سقطت فى خانة الكسر خانة الأمل خانة الحرية، ومن مكانى هذا أقول: «الثورة مستمرة» ثورة على القوالب والجمود، كانت حرفتنا النحت والنحت، فن لا تشبه فيه قطعة الأخرى، فما الذى حول فننا الجميل إلى قوالب متماثلة تلقى فى صناديق؟

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »