رجائى عطية

الزهاوى وديوانه المفقود

شارك الخبر مع أصدقائك

الزهاوى هو شاعر العراق الكبير، ملأ الدنيا بشعره وشغل الناس، وعنه وعن ديوانه المفقود، كتب الأستاذ العقاد هذا المقال الذى ضُم لاحقًا إلى مجموعة «دراسات فى المذاهب الأدبية والاجتماعية» التى نشرت عام 1967.

دعا الأستاذ العقاد إلى كتابة هذا المقال، أنه طالع فيما يروى ـ فى مجلة «المكتبة» البغدادية، مقال للسيد أكرم زعيتر عن «ذكرياته لشاعر العراق الزهاوى»، ونقل فيه حديثًا جرى بينه وبين الزهاوى، فى آخر لقاء له به قبل سفره من بغداد. فيه قال له الزهاوى: «هل اطلعت على «الأوشال» ؟ قد كنت أظن وقد رقّ عظمى أن زمنى لن يمتد بى كثيرًا، فسميت مجموعة قصائدى الأخيرة ( الأوشال )، ثم نظمت بعد ذلك قصائد أخرى أعتقد أنها آخر ما أنظم فى حياتى التى أرانى مغادرها قريبًا، وقد جمعتها فى ديوان سميته «الثمالة» ليكون آخر ما يُطبَع لى…

سأله الأستاذ أكرم زعيتر: وهل للأستاذ شعر لم يُطبَع غير «الثمالة»؟ قال: «أجل، إنه ديوان لا ينشر فى القرن العشرين» .
وأضاف الأستاذ العقاد أنه كان قد علم من الزهاوى نفسه أن له شعرا كثيرًا لا ينشره، وأنه سيوصى بنشره بعد وفاته، وفارق القاهرة وهو يكرر لى حديثه عن الشعر المطوى الذى يعتقد إنه إذا شر فى يوم من الأيام فلن يتسع لنشره بلد غير القاهرة بين البلدان الشرقية .

وانه قد سمع أخيرًا أن كتابًا ظهر فى القاهرة باسم «الزهاوى وديوانه المفقود «، فاعتقدت لأول وهلة أنه هو مجموعة الشعر التى تحدث عنها الزهاوى إلى الأستاذ أكرم زعيتر ببغداد وأومأ بنبئها إلىّ فى القاهرة، وأنه اطلع على الكتاب لمؤلفه «هلال ناجى «فصدق ظنه فى موضوعه وإن كان المؤلف الأديب قد توسع فى أبوابه، فتناول فيه مباحث شتى عن الزهاوى وما كتبه وما كِتب عنه، غير ديوان «النزغات»، وهو اسم الديوان المفقود.

وحرص المؤلف على تحقيق نسبة «النزغات» إلى الزهاوى، فاستقصى الشواهد والقرائن التى تدل على صحة هذه النسبة… وكلها مقنعة، بل قاطعة، فى إثبات نظم الشاعر لجملة القصائد والمقطوعات التى احتواها ديوان «النزغات»، كما تركه الزهاوى عند تسليمه إلى الأستاذ سلامة موسى، وعند انتقاله منه إلى الدكتور زكى أبو شادى بغير زيادة فيه، وهو مرقوم على الآلة الكاتبة غير مصحوب بالأصل المخطوط.

على أن هناك ما يؤكد نسبة هذا النظم إلى الزهاوى، من داخل الديوان نفسه وأسلوب الشاعر فى نظمه، وهو دال على أنه للزهاوى فيما يؤكد الأستاذ العقاد، مستشهدًا بأن أظهر ما فى هذا الدليل» «الداخلى» ـ أن أبيات القصائد والمقطوعات تشتمل على كثير من ذلك الشد والقتل ( من قَتَل ) الذى يطوع به الشاعر كلماته لأوزان العروض.
فالشاعر الذى يقول:

عاش فى الغاب القرد دهرًا
قبل أن يلقى للرقى سبيلاً
هو الشاعر الذى يقول فى ديوان «النزغات»:
ـ هذه الدنيا دار كل جزاء ـ
وهو الذى يقول فيه:
عسى الذى عاف أرضه
أن يضمه عالم جديد
وغير ذلك كثير من «الأسلوب النظمى» فى سائر منظومات الديوان.

أما الأسلوب «الفكرى» فهو كذلك مطابق لأسلوب الزهاوى فى كل ما نظم من الشعر منذ عالج نظمه فى أوائل حياته، ومما لا شك فيه أن أفكار الديوان المفقود ليست طورًا جديدًا فى تكوين آراء الشاعر مع الزمن كما يتوهم القارئ من قول الزهاوى أنه آخر ما نظم وأنه يحتوى أفكارا لم تُنشرها قبل ذلك فى حياته.

إذ المحقق من معارضة دلائل الشك والتردد ودلائل الإيمان واليقين أن هذه الدلائل جميعًا قد وجدت فى مؤلفاته الأخيرة، على درجة واحدة من القوة والوضوح.
ويرجع الأستاذ العقاد إلى ما كان قد كتبه العالم الدينى المفكر الكبير محمد فريد وجدى، الذى ظل يكبره ويقدره ويعظمه ويذكر أفضاله ـ فيرى أنه قد أصاب الحقيقة فيما كان قد كتبه فى مجلة «الأزهر» مما نقله الأديب هلال ناجى من أنه لاحظ أن الزهاوى: «يكتب الشىء ثم ينقضه بقول آخر كما فعل فى كتابه »الكائنات». فقد جرى فيه على أسلوب الماديين… ثم ختمه بكلمة تحت عنوان ـ ابتهال ـ حقر فيها كل الآراء التى قررها فى الكتاب، وذكر أنه إنما جرى فيها على أسلوب الماديين لبيان مذهبهم… أما هو فيبرأ إلى الله منهم ومن آرائهم ويرجو من يقرأ الكتاب ألا يعتد بما قرره فيه.

ثم عقب الأستاذ وجدى على هذا الأسلوب قائلا: «إنه أسلوب فى الكتابة كل ما يمكن أن يعتذر عنه أنه يلجأ إليه هربًا مما قرره.
ويورد الأستاذ العقاد أن كل ما يزيده على تعقيب الأستاذ وجدى أن الزهاوى قد يبادر فى مفتتح كتابه إلى تحقير آراء المتهجمين على الحقائق الكبرى كحقائق عالم الغيب، وما يسميه الباحثون بحقائق ما وراء المادة، فإنه افتتح كتابه «الكائنات» الذى ألفه فى مقتبل صباه بهذين البيتين:

وما الأرض بين الكائنات التى ترى
بعينيك إلا ذرة صغرت حجمًا
وأنت على الأرض الحقيرة ذرة
تحاول جهلاً أن تحيط بها علمًا

وهذا غاية ما يقوله المفكر المتواضع أمام عظمة الكون لكبح الغلاة من الباحثين فى حقائقه عن الشطط الأهوج والغرور الكاذب بقدرة العقل البشرى على إدراك هذه الأسرار المطبقة حول حقائق الوجود.

والذى يلاحظه فى مواقف الزهاوى العقلية بين الشك واليقين سهولة شكوكه وسهولة ردوده عليها فى وقت واحد.

فكل شكوك الزهاوى بلا استثناء مما يقبل الرد والاستخفاف من النظرة الأولى، لأنها مبنية على تصور العامة الجهلاء للخرافات والأساطير التى يلصقونها بالدين وهو برىء منها بعيد عنها، وليس من هذه الشكوك شك واحد يقوم على فهم الدين كما ينبغى أن يفهمه المؤمنون به على صحته، وقد كان خطأ الزهاوى الأكبر أنه يتلقى حجة العقائد من الأوهام الشائعة بين المقلدين دون الثقات المجتهدين، وإنما تقوم قضية الدين على الضمير الإنسانى الذى يناط به التمييز بين كل دعوة تشيع فى العالم، ولم تقم حجة الدين قط على ما يفهمه المقلدون أو يفهمه المغرورون بهم من الأدعياء، وإنما تقوم حجته على البصيرة الصادقة والوحى الأمين.

لا جرم كان تقريره لقواعد الإيمان بعد ذلك سهلا غنيًا عن جهد التردد والبحث فى أمثال تلك الشكوك أن يثوب يقينه إلى يقين الزهاوى الذى عبر عنه بهذه الأبيات فى موقف الحساب:

قال: ما دينك الذى كنت فى الدنيا
عليه، وأنت شيخ كبير ؟
قلت: كان الإسلام دينى وهو
دين بالاحترام جدير
قال: من ذا الذى عبدت ؟ فقلت:
الله ربى وهو السميع البصير

وقبل ذلك يقول من كلمة منثورة: «لم آت فى حياتى أمرًا إذا ولا ارتبكت منكرًا.. أنظم الشعر وأودعه عصارة شعورى وتفكيرى وأجعله منبرًا أدافع منه عما يتراءى لى أنه الحق غير حاسب لمخالفة الناس إياى حسابًا، وهذا ما كان يثيرهم عليَّ ويجعلهم يعملون على معاكستى حتى هموا مرة أن يقتلونى، مع أنى معتقد بالوحى مؤمن بالأنبياء وبالمرسلين وملائكة الله وكتبه، وقمت بشعائر الدين كلها فصمت وصليت، وزكيت وجاهدت، وحججت إلى بيت الله، وزرت قبر رسوله الكريم.
وهو الذى ردد هذه الشهادة فى مواطن كثيرة من شعره فى هذا المعنى غير مرة:

أنا ما كفرت كل عمر ى بالكتاب المنزل
أنا لم أزل أشدو بنعت للنبى المرسل

وإنه بمثل هذا اليقين لخليق أن يكذب كل هاتيك الشكوك التى تثيرها أوهام الجهلاء وخرافات أصحاب الخرافات من المقلدين.
وجملة القول فى الديوان المفقود وفى الدواوين المنشورة أنها طور واحد من الفكر لم يتغير فى مدى خمسين سنة، ويوشك أن ينقل كل بيت فى ديوان من هذه الدواوين المتتابعة إلى ديوان آخر صدر قبله أو بعده، بغير اختلاف فى المعنى أو فى النسق أو فى الأسلوب، إلا ما تقتضيه المرانة الطويلة من تيسير النظم فى نهاية الشوط بعد تعسر فيه عند الابتداء.

ويرى الأستاذ العقاد ـ محقًّا فى تقديرى ـ أن سرعة التفكير مع السرعة إلى العدول عن الفكرة فى وقت واحد، هما آفة العجلة فى مواجهة الزهاوى لمسائل العلم والأدب أو مسائل الاجتماع والأخلاق، ولم يكن هناك أسرع منه إلى اختطاف الرأى الشائع أو اختطاف الرد عليه، ويحسب أن بنية الرجل »مسئولة» عن هذا الولع بالسرعة وعن القلق من الاستقرار.

ويختم الأستاذ العقاد هذا المقال بأنه ولا ريب عنده فى قدرة الزهاوى الفكرية ـ شعرًا ونثرًا ـ ولا فى ملكته الرياضية، ولكنك حين تراجعه من بواكيره إلى خواتيمه يبدو لك أنه يثب إلى الآراء وثبة بعد وثبة، ولا يتطور معها على أمد مديد، وأنه فى وثباته المتلاحقة قائم فى مكان واحد، يصعد منه وينزل إليه، ويثبت عليه صاعدًا أو نازلاً، ومترددًا ومستقرًّا، وهكذا كان فى آخر ديوان كما كان فى أول ديوان، وللقارئ ما يشاء أن يبقيه حيث شاء، بما هو أهل للبقاء.

rattia2@hotmail.com
www. ragai2009.com

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »