عقـــارات

الريح‮ .. ‬والبلاط عندما تحتل الأعراف مكانة القانون!

يكتب أى مجتمع أعرافه، وتقاليده من «ممارسات » سنين طويلة ارتضاها الناس لتصل أعرافهم، وتقاليدهم إلى «موقع القداسة » بما يشبه القوانين المكتوبة حتى من قبل عصر تلك القوانين المكتوبة فى مواد مراجع القوانين، أو الدساتير بما لا يسمح لأحد…

شارك الخبر مع أصدقائك

يكتب أى مجتمع أعرافه، وتقاليده من «ممارسات » سنين طويلة ارتضاها الناس لتصل أعرافهم، وتقاليدهم إلى «موقع القداسة » بما يشبه القوانين المكتوبة حتى من قبل عصر تلك القوانين المكتوبة فى مواد مراجع القوانين، أو الدساتير بما لا يسمح لأحد بأن يتخطاها حتى لو لم تكن تلك الأعراف مكتوبة فى الموسوعات .

 

وقد وصلت تلك الأعراف والتقاليد إلى درجة من الالتزام حملت الكثير من القضاة على الأخذ بها تقديراً لقيمتها فى مجتمع ارتضى بها لأنه صانعها لسنين .. وسنين بما لا يخالف تعاليم دين، أو شرائع تلقاها هؤلاء المواطنون من أنبياء الله، القادمة إليهم بوحى سماوي؟

 

ومن بين ما طرأ على المجتمع المصرى هذه الأيام «موضة » الخروج على تلك الأعراف بأمراض نفسية لم يعرف بها ذلك المجتمع الوسطى والمدنى على مدى تاريخه الطويل، ومنها «تربية ذقون » بعض من ضباط الشرطة أو مضيفى الطيران، ومنها إصرار بعض المضيفات على «التحجب » طريقاً – والله أعلم – إلى «التنقب ».. والقادم – بالطبع – ألعن !

 

ولأن كل واحد «حر » فيما يرى من ملبس أو مأكل أو «تربية الذقن » أو استخدام الجلابيب القصيرة خلال حركتهم فى الشوارع، إلا أن تلك الحرية لها حدود التصرف الشخصى داخل بيوتهم، وفى مجتمعاتهم الصغيرة إن قبلت ذلك، وهى حرية لا تنصرف على أماكن العمل التى يتقاضون رواتبهم الشهرية منها، فلا يمكن مثلاً أن نسمح لضابط شرطة بأن يتجول فى شوارعنا بذقن طويلة أو بملابس قصيرة، أو بعصا فى يده داعياً الناس بها إلى ما يريد، مثلما تفعله «جماعات الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر » الموجودة فى بلاد عربية، يتضاءل الآن وجودها لأن المواطنين فى تلك الدول قد أصابهم «الكثير من القرف » مما يفعله هؤلاء، ذلك أن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر تصرف شخصى يحاسب الله عبده عليه وليس «أبوجلابية »- غالبا وسخة – الذى يضرب الناس بعصاه بينما هو أصلاً لا يؤدى الفرائض .. التى – غالبا – لا يعرفها !

 

كذلك لا يمكن قبول مضيفة محجبة، ولا مضيف ملتح داخل طائرة تحمل مسافرين عرباً وبينهم أجانب، فالذى أفهمه أنه إذا كانت تلك النوعية من العمل محرمة فى فكر هؤلاء فلا داعى للعمل بها، والبحث عن وظيفة أخرى تتناسب مع ما لدى هذا الموظف أو الموظفة من فكر خاص، ولا أقول «فكراً متطرفاً » ، وكذلك ضابط الشرطة الذى يريد إطلاق لحيته مع الاحتفاظ بوظيفته، وعلى كل من هؤلاء أن يترك وظيفته الخاضعة لأعراف السنين الطويلة ليلتحق بوظيفة أخرى تقبل منه ما يشاء حتى لو ترك ذقنه – طولا – إلى ركبتيه إلى درجة «الكعبلة » فيها .

 

ولقد احترمت كثيراً حكم القضاء الإدارى بتأييد قرار وزير الداخلية بإحالة الضباط الملتحين إلى التحقيق طريقاً إلى التقاعد، وكان هؤلاء قد اعتقدوا – ضمن الهوجة المصرية الآن – أن إطلاق اللحى من الحريات، ومبادئ الشريعة – وأنا لم أسمع أن الشريعة الإسلامية تحتم على الناس إطلاق لحاهم .. وقد أكون مخطئاً – ونسى هؤلاء فى تشدقهم بالقوانين والمواثيق الدولية التى تحترم حرية الأفراد، أن قوانين الشرطة التى التحقوا بوظائفها لا تسمح لهم بذلك، وهو ما كان عليهم التنبه إليه عندما التحقوا بهذا الجهاز الأمنى، وقد تصور هؤلاء أن الهوى السياسى الجارى الآن فى مصر يسمح لهم بذلك، كما لا يسمح به المصريون الذين هم أصحاب الأمر فى مصر، مهما تكاثرت مواكب النفاق الإسلامى التى تطوف أماكن كثيرة الآن، فى تصور خاطئ بأن المصريين سوف يقبلون تغيير أعرافهم، وتقاليد مجتمعهم مهما حاول الآخرون، ذلك أن مصر سوف تظل هى مصر، الآن وغداً وحتى خروجها سالمة من الكمائن التى تنصب لها، فى تصور مريض بأن بعض السياسيين المتأسلمين سوف يتولون أمر مصر، بينما يرى الشعب المصرى غير ذلك، بل إنه ينظر إلى هؤلاء المتأسلمين على أنهم ظاهرة فى طريقها إلى الغروب؟

 

شارك الخبر مع أصدقائك