طارق عثمان

الراعى والرعية فى الديمقراطيات الأوروبية..تغيران مهمان فى الاقتصاد السياسى لأوروبا

شارك الخبر مع أصدقائك

واحدة من أهم نجاحات الديمقراطيات الأوروبية كانت تطوير العلاقة بين المجتمع (الناس) والدولة، من فكرة الراعى (السلطة كعارف، ملم بكل شيء، ومن ثم الآمر والناهى) إلى فكرة المحاسبة (تحول الناس من رعية إلى محاسبين للسلطات وخاصة للسلطة التنفيذية). هذه الفكرة كانت فى قلب تطور الحريات السياسية فى أوروبا.

لكن الخوف، كعادته، يقلب الدنيا.. وهذه المرة، الخوف من شبح موجود ولكن لا يُرى، فيروس لا يعرف أغلب الناس هل إذا جاءهم، سيمر كنزلة برد أم سيكون أخطر بكثير. هذا النوع من الخوف قديم. البشرية عاشته من قبل. لكن آخر مرة مرت الإنسانية بنوع مماثل من هذا الخوف كان منذ قرن من الزمان تقريباً، فيما عُرِف وقتها بالإنفلونزا الإسبانية. لكن الحال وقتها كان غير الحال الآن. أغلب أوروبا كان تحت حكم ملكى بعيد عن الديمقراطية. هيكل المجتمعات الأوروبية كان مختلفاً، حيث كان وقتها الغالبية من السكان فى أسفل الطبقة الوسطى والكثيرون فى مرتبة الفقر. كما أن كل ذلك جاء قبل الحرب العالمية الثانية، وهى اللحظة المفصلية فى تاريخ أوروبا فى القرن العشرين.

اليوم نوع الخوف نفسه يعود، لكن فى مجتمعات وهياكل سياسية مختلفة، أكثر تطورًا بكثير، ولا شك، أغلبها نماذج ناجحة لأهم مبادئ الديمقراطية. لكن هناك متغيرين ظاهرين بوضوح.

واحد: الخوف من هذا المجهول وغير المرئى والذى يبدو بلا راد، دفع الناس للقبول، بل والترحيب بدور حاسم للسلطة التنفيذية فى حياتهم، لدرجة أن كل أوروبا تقريبا اليوم واقعيا تحت أحكام عرفية وحالات طوارئ. هذا الوضع غير المسبوق سياسياً يضع أمام المجتمعات الأوروبية سؤالاً حول استمرارية ذلك التوازن الذى حققته على مدى سبعة العقود الماضية (منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية) بين وجود دولة قوية تؤدى مسئولياتها وبين وجود قيود شديدة على فعل السلطة (التنفيذية خاصة).

لا شك أن هذا السؤال مؤجل إلى مرحلة ما بعد فيروس الكورونا. لكن ماذا لو استمرت المرحلة الحالية أكثر من مجرد عدد من الأسابيع .. ماذا لو استمرت بعض القيود على الحياة الاجتماعية فى أوروبا لشهور .. فى هذا السيناريو أوروبا لن تستطيع تجاهل هذا السؤال الحيوى حول مستقبل الديمقراطية فيها.

هناك أصوات بدأت تظهر تتحدث عن أن الخطر الحالى يحمل معه احتماليات الموت، بالإضافة إلى تداعيات اقتصادية مؤلمة لمجموعات كبيرة فى أغلب الدول الأوروبية، ومن ثم فإن الأحاديث عن الحقوق والحريات فى هذه اللحظة، ليس فقط رفاهية بل نوعاً من الغباء، وذلك رأى، أو صريخ، يمكن تفهمه … لكن مع ذلك، قيمة المكتسبات الأوروبية فى سبعة العقود الماضية غالية جداً تستوجب معها التفكير فى مستقبل هذه المكتسبات، خاصة إذا كان الوضع غير مسبوق، ولا سيما لأن الخوف باد وحاكم الكثير من العقول هذه الأيام.

المتغير الثانى فكرى … كان واضحاً فى السنوات القليلة الماضية أن فكرة الليبرالية السياسية ومعها اقتصاد السوق الحرة التى سادت فى ربع القرن الماضى (منذ انهيار الاتحاد السوفيتى) تواجه تحديات، سواء من مشكلة عدم المساواة الاجتماعية والتى تفاقمت فى أغلب الدول الغربية، خاصة فى ربع القرن، أو من ناحية صعود الصين، القادمة بنموذج «سياسي-اقتصادى» يمثل نقيضًا فكريًا لليبرالية السياسية واقتصاد السوق. لكن القيود الشديدة التى كبلت السلطة التنفيذية فى أوروبا كانت كابحاً أمام أى أفكار قد ترى فى النموذج الصينى إلهامًا. الوضع الحالى، وما يحمله من احتمالات توسع كبير وطويل الأجل لصلاحيات السلطة التنفيذية فى أوروبا قد يغير الأوضاع. ولعله من المؤكد الآن أن بعض التيارات السياسية فى أوروبا سترى فوائد وما يمكن (أو ينبغي) نقله من النموذج الصينى. وحتى إذا حدث ذلك التغير ببطء، فسوف يكون ضربة جديدة، وربما مؤثرة جداً، لسيادة فكرة الليبرالية السياسية المتزاوجة مع اقتصاد السوق الحر.

هذه التغيرات القابلة للحدوث على الشواطئ الشمالية للبحر الأبيض المتوسط، يمكن أن تُحدِث تغيرات مهمة فى الجيوسياسة الأوروبية. لذلك، بالنسبة لنا، الأمر يتعدى المتابعة لمجرد النظر والفهم. كالعادة فى التاريخ، الكثير من التيارات السياسية الكبرى تبدأ بتغيرات فى الأفكار الاجتماعية والهياكل الاقتصادية فى دول محورية، وبعدها تتشكل سُحب وتأتى رياح تذهب بعيداً عن الأماكن التى هبت فيها فى البداية.. وبعض هذه الرياح يكون مما تشتهيه أو لا تشتهيه السفن المبحرة فى بحور السياسة الدولية.

* كاتب مصرى مقيم فى لندن

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »