الحكومة تكشف أنيابها في زمن الأزمة

شارك الخبر مع أصدقائك

رمضان متولى

قامت الحكومة بتخفيض العلاوة الاجتماعية للعاملين بالدولة والقطاع العام إلي %5 من %30 من موازنة العام المقبل، وفقا لما نشرته جريدة »المصري اليوم« يوم الخميس الماضي، وعزت قرارها إلي تأثير الأزمة المالية العالمية علي الاقتصاد المصري، وانخفاض حصيلة الضرائب وإيرادات قناة السويس، وزيادة العجز في الموازنة العامة.
 
هكذا تبجحت الحكومة بالأزمة العالمية، وانتهزت الفرصة للهجوم علي مستحقات العمال والموظفين الفقراء، وتحججت برغبتها في عدم زيادة عجز الموازنة في العام المقبل علي 100 مليار جنيه لتقوم بتخفيض الإنفاق علي العلاوة الاجتماعية التي يحصل عليها أشد الناس فقرا في مصر، بدلا من زيادة إيرادات الموازنة عن طريق تخفيض المزايا الضريبية والجمركية التي يحصل عليها أكثر الناس ثراء في البلاد.
 
هذا الموقف في حد ذاته يعتبر تكذيبا صريحا وقويا لادعاءات رئيس الوزراء السابقة عندما قال إن حكومته ليست حكومة لرجال الأعمال. فالحكومة التي يرأسها هي نفسها الحكومة التي قامت بتخفيض الضرائب علي الأغنياء ورجال الأعمال إلي %20 كحد أقصي من أجل زيادة أرباحهم وتعظيم ثرواتهم، وهي نفسها الحكومة التي تقوم حالياً بتخفيض العلاوة الاجتماعية علي الأجور الزهيدة والتافهة التي يحصل عليها الفقراء من الموظفين والعمال بهذه النسبة الكبيرة بحجة انخفاض إيرادات الموازنة العامة وزيادة العجز.
 
بل إن حكومة نظيف في هذا الموقف كانت أشد وحشية وقسوة من حكومات دول رأسمالية عتيدة في تبنيها اقتصاد السوق وحماية رجال الأعمال، وكانت أشد تبجحا في هجومها علي الفقراء من مجموعة كبيرة من الدول تشمل دولا متقدمة وأخري نامية في أنحاء العالم. فقد أعلنت بريطانيا أنها ستقوم بزيادة الحد الأعلي لضريبة الدخل إلي %50 علي الشريحة التي يتجاوز دخلها السنوي 150 ألف جنيه استرليني بداية من العام المالي الجديد الذي يبدأ في أبريل 2010، وإلغاء جميع الإعفاءات الضريبية للأشخاص الذين يتجاوز دخلهم 100 ألف جنيه سنويا.
 
موقف بريطانيا لم يكن فريدا من نوعه، حيث يصل الحد الأعلي للضريبة علي الدخل في ألمانيا حاليا إلي %45 ويطالب السياسيون هناك بزيادة هذا الحد إلي %47 في الموازنة الجديدة. وفي فرنسا يصل الحد الأعلي للضريبة إلي %50 ولم تتوقف المطالب السياسية عن زيادته من أجل تمويل  الإنفاق العام لتجاوز الأزمة الاقتصادية. نفس  الضغوط نحو زيادة الضرائب علي الأثرياء تتزايد في الولايات المتحدة، وأيرلندا والدنمارك والمجر.
 
إن تمويل برامج الإنفاق العام التي تهدف إلي الخروج من الأزمة الاقتصادية لابد أن يوجه إلي الشرائح الاجتماعية التي يرجح أن  تقوم بإنفاق دخولها لتنشيط الطلب الكلي في الاقتصاد وليس نحو الشرائح التي يرجح قيامها بتحويل الأموال للخارج أو اختزان هذه ا لأموال في عقارات أو سندات أو سبائك ذهبية، خاصة أن بلادنا لديها تاريخ حافل في تهريب رجال الأعمال الأموال خارج الحدود.
 
وعلاوة علي المبررات الاقتصادية القوية لزيادة دخول الفقراء وزيادة الضرائب علي الأغنياء من أجل تنشيط الطلب في الاقتصاد وتمويل برامج  الإنفاق العام علي مشروعات  البنية الأساسية، هناك مبررات أخلاقية لعدم تحميل الفقراء عبء الأزمة أكثر مما تحملوا وزيادة الأعباء الضريبية علي الأغنياء لتحقيق درجة ولو بسيطة من العدالة الاجتماعية.
 
في ظل هذه الحكومة وبسبب سياساتها المنحازة للأغنياء، كانت نتائج فترة الرخاء الاقتصادي القصيرة ظهور عدد محدود من رجال الأعمال يملكون المليارات من الجنيهات بينما تزايدت معدلات الفقر وانهارت الخدمات العامة لأن الفقراء لم يستفيدوا من الانتعاش الذي صب كل فوائضه في جيوب الأغنياء وأدي إلي زيادة أسعار السلع الأساسية التي يستهلكها الفقراء مما ترتب عليه تدهور مستوي معيشتهم.
 
ليس من العدل ولا الحكمة تخفيض العلاوة الاجتماعية، بينما تنخفض معدلات الضرائب علي الأغنياء في مصر إلي مستويات قياسية مقارنة بدول العالم الأخري. وليس من العدل ولا الحكمة أن تخصص الحكومة أموالا للإنفاق العام توجه إلي فتح فرص للأثرياء وأصحاب الشركات لتعظيم أرباحها، بينما تقوم بتخفيض أجور العمال وعلاواتهم بدعوي الحفاظ علي التوظيف الذي توقفت عنه بالفعل منذ سنوات وكل ما تردده بشأنه مجرد أكاذيب – وبدعوي عجز الموازنة الناتج أساسا عن المزايا التي تقدمها لرجال الأعمال. وليس من العدل أن يتحمل الفقراء ضغوط الزيادة في معدلات التضخم وأسعار السلع الأساسية في أوقات رخاء الأغنياء، ثم يتحملون تكلفة الأعباء الحكومية المخصصة لخروج هؤلاء الأغنياء والحكومة من الأزمة  التي صنعوها، ولا يتحمل  الأغنياء خصم مليم واحد من أرباح كدسوها قبل ذلك من مزايا لا حق لهم فيها.
 

شارك الخبر مع أصدقائك