الحرب العالمية الثالثة‮.. ‬باليوان الصيني‮ (‬1‮)‬

شارك الخبر مع أصدقائك

يحيى المصري 
 
بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1944 اجتمع اقطاب العالم في الاقتصاد والنقد في مؤتمر »بريتون وودز« بالولايات المتحدة الأمريكية، وأقروا نظاماً جديداً للمعاملات النقدية والتجارية بين دول العالم المختلفة، نظاماً عادلاً لا تعتصر فيه دولة مجهود دولة أخري، ولا يكون فيه تمييز في المعاملات بين الدول المختلفة، لكي يسود السلام العالمي وينتهي عهد الحروب التي قاسي منها الجميع، خاصة في الحربين العالميتين السابقتين.
 
وقد رؤي في النظام النقدي العالمي الجديد أن يقوم علي قواعد سلوك مختلفة في مسائل الصرف والمدفوعات، وكان أهمها العمل علي تحقيق ثبات أسعار الصرف ووضع نظام دائم للمدوفوعات الخاصة بالمعاملات الجارية بين الأعضاء، والعمل علي التخلص من القيود النقدية التي تعترض نماء التجارة الدولية، خاصة أنها العامل الرئيسي الذي يؤدي إلي التنمية الاقتصادية في جميع دول العالم، ويساعد علي الحفاظ علي مسيرة اقتصادية عالمية بعيدة عن الصدام بين الدول المختلفة، وتعمل علي إقامة سلام عادل بين جميع الدول.
 
وبذلك فإن العامل الرئيسي الذي يقوم عليه النظام النقدي العالمي الحالي هو ثبات أسعار الصرف للعملات المختلفة، خاصة أن عدم توافرها كان السبب في خلخلة النظام النقدي العالمي السابق الذي كان يقوم علي قاعدة الذهب، وهو ما أدي فعلاً بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية إلي الإسراع في انعقاد المؤتمر الدولي لمعالجة الثغرات التي سببها عدم انضباط أسعار الصرف، حيث كانت هناك عملات لبعض الدول مقومة بأعلي من قيمتها الحقيقية، كما كان هناك العكس، ومن هذه العملات كان الفرنك الفرنسي والجنيه الاسترليني.
 
لذلك فرض صندوق النقد الدولي الذي نشأ عام 1945 نتيجة انعقاد مؤتمر »بريتون وودز«، علي كل عضو فيه أن يحدد سعر التعادل لعملته علي أساس الذهب كمقياس عام أو علي أساس الدولار الأمريكي بوزنه وعياره في أول يوليو عام 1944، ولا يجوز أن يختلف الحد الأعلي والحد الأدني لسعر صرف عملة كل من الدول الأعضاء عن %1 فقط، كما سمح الصندوق بتعديل سعر الصرف لأي عضو وفقاً لقواعد معينة وبعد الاتفاق معه وموافقته علي التعديل المطلوب حتي لا يحدث ما يشوب النظام النقدي العالمي ولا يؤدي ذلك إلي استفادة عضو علي حساب عضو آخر.
 
إن اهتمام النظام النقدي العالمي، وأداته التنفيذية صندوق النقد الدولي، بسعر الصرف أكثر من أي ناحية نقدية أخري، يرجع إلي الأثر السلبي الذي يمكن أن يؤدي إليه عدم تحديده بشكل عادل ومناسب، ليس فقط علي اقتصاد دولة واحدة ولا علي اقتصاد مجموعة من الدول، ولكن علي اقتصادات العالم بوجه عام، وهذا ما يتم حالياً بالنسبة لسعر صرف »اليوان الصيني« الذي تم تحديده من السلطات الصينية بأقل من قيمته الحقيقية، وقد بلغ هذا الانخفاض -وفقاً لما ذكرته بعض التقارير الدولية الصادرة من صندوق النقد الدولي ومن الولايات المتحدة الأمريكية ومن الاتحاد الأوروبي- من %20 إلي %40، وهو ما يؤدي إلي الانزعاج الدولي من الاستمرار في تطبيق هذا السعر، وقد أدي فعلاً إلي صدام اقتصادي واضح بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين، وإلي معارضة الكثير من أعضاء صندوق النقد الدولي ومن بينهم دول الاتحاد الأوروبي واليابان.
 
لماذا؟
 
لأن انخفاض سعر صرف اليوان عن قيمته الحقيقية يؤدي إلي انخفاض في أسعار السلع الصينية التي تباع في الخارج، وبالتالي يؤدي إلي إقبال أغلب دول العالم علي شراء هذه السلع الصينية، خاصة أنها أصبحت تلائم أذواق المستهلكين ليس في الدول النامية وحدها، بل في الدول المتقدمة أيضاً، حيث يقبل علي شرائها المستهلك الأمريكي والمستهلك الأوروبي والمستهلكون في كثير من الدول الأخري، وبالتالي يقال إن الصين حالياً تغزو سلعها جميع أسواق العالم، وقد أصبحت تنافس اليابان التي تعتبر ثاني أكبر دولة من حيث القوة الاقتصادية العالمية.
 
وليس غريباً أن نقول إن الصين حالياً انتصرت اقتصادياً علي كل دول العالم باستخدام اليوان المنخفض في سعر صرفه والذي حقق لها اقتصاداً قوياً ومعدل تنمية اقتصادية يفوق %10 سنوياً، واستقطب لها أكبر وأكثر المستثمرين في العالم، سواء من أوروبا أو من أمريكا أو من دول الخليج العربية أو حتي من أفريقيا، كما ساعدها ذلك علي تحقيق مستوي معيشة مناسب لجميع مواطنيها في ظل نظام اقتصادي جديد يسمونه »الانفتاح الاشتراكي« الذي سيقودها في العشرين سنة المقبلة لأن تكون أقوي وأكبر دولة اقتصادية في العالم، متخطية كل الحواجز التي وقفت أمام تقدمها الاقتصادي في الماضي.
 
إن الحرب الاقتصادية العالمية التي بدأت فعلاً منذ أوائل ربع قرن الماضي بين الصين وأغلب دول العالم بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، تشتد يوماً بعد يوم، وإذا كانت الصين قد أعلنت في أكثر من مؤتمر دولي، عن عزمها زيادة سعر صرف عملتها اليوان، فإنني أري أن هذا الإعلان من الصعب تحقيقه بالنسبة للصين، لعدد من الأسباب من بينها:
 
1- إن زيادة سعر صرف اليوان ستؤدي إلي ارتفاع في أسعار السلع التي تصدرها الصين، وبالتالي ستنخفض صادراتها، وقد تزيد وارداتها من الخارج، مما يؤثر سلباً علي فائض الميزان التجاري الذي تحققه حالياً.
 
2- إن الزيادة في سعر صرف اليوان والتي ستؤدي إلي انخفاض الصادرات الصينية ستؤدي حتماً إلي إغلاق بعض المصانع الصينية، خاصة تلك التي تنتج سلع التصدير وهو ما يؤدي إلي زيادة البطالة التي كانت قد تخلصت منها في ربع القرن الأخير.
 
3- إن الانفخاض في حصيلة الصادرات نتيجة نقصها، سوف يؤدي إلي نقص كبير في احتياطيات الصين الدولية عن العملات الأجنبية -باستثناء الدولار الأمريكي- مقومة بسعر صرف مرتفع لليوان سينتج عنه نقص في إجمالي هذه الاحتياطيات بالعملة المحلية.
 
4- إن الأثر السلبي نتيجة زيادة سعر صرف اليوان الذي سيؤدي إلي انخفاض الصادرات وزيادة الواردات، سيمتد أيضاً إلي نقص في حجم الاستثمارات الأجنبية في الصين. أقول إن العالم اليوم يجتاز حرباً عالمية اقتصادية، ليست معلنة لأنها ليست عسكرية ولا سياسية، ولكنها حرب نقدية، حرب ناتجة من إصرار الصين علي عدم زيادة قيمة عملتها حتي بالحد الأدني الذي يطالب به صندوق النقد الدولي، وإصرار الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي علي وقف هذه المهزلة الاقتصادية التي أدت فعلاً إلي زيادة البطالة في أغلب دول العالم علي حساب نقصها في الصين، وبالشكل الذي يخرج علي الروح التي سادت في »بريتون وودز« عندما تم إعلان النظام النقدي العالمي الجديد، ولا يعرف أحد حتي الآن من سينتصر في هذه الحرب، هل الصين؟ أم الولايات المتحدة الأمريكية التي تصر علي المطالبة بزيادة سعر صرف اليوان؟ أم سيتم التوفيق بين الطرفين، حمايةً للمسيرة الاقتصادية العالمية في السلام والاستقرار؟ والحل في تصوري يكون في العودة إلي روح ومضمون النظام النقدي العالمي، حتي وإن أدي ذلك إلي بعض الخسائر المؤقتة للصين التي لن تتمكن من الاستمرار في تحدي جميع دول العالم وغزو أسواقها بالسلع الصينية.
 

شارك الخبر مع أصدقائك