الجناح المغاربي للقاعدة

شارك الخبر مع أصدقائك

د. عمار علي حسن
 
بعد أسابيع قليلة من الإعلان «شفهيا» عن تأسيس ما يسمي قاعدة الجهاد في بلاد «المغرب العربي» جاءت التفجيرات التي هزت الدار البيضاء والجزائر لترسخ «عمليا» تواجد هذا التنظيم الذي يعد في حد ذاته ثاني خطوة من خطوات المسار الجديد للقاعدة «الأم» بعد تأسيس ما يسمي بـ «قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين» الذي يشارك في أعمال المقاومة ضد الاحتلال الأمريكي للعراق. وهذا المسار فرضته الظروف القاسية التي يمر بها التنظيم الرئيسي بعد إزاحة حركة  طالبان الأفغانية عن السلطة، وتشتيت عناصره في ربوع الأرض، وانقطاع الاتصال المادي المباشر بين قيادة التنظيم في أفغانستان وبين خلاياه النشطة في مختلف بلدان العالم.

 
ويقوم هذا المسار علي احتضان التنظيم الرئيسي لبعض الجماعات الراديكالية التي تمارس العنف وترفع من الإسلام شعارا سياسيا لها، ثم إعلانها فرعا للقاعدة في بلادها، الزر الذي يضخ دماء جديدة في أوصال التنظيم الأم الذي  ظن الأمريكيون ومناصروهم أنهم قد استأصلوه تماما. ومثل هذا التصرف يعيد «القاعدة» إلي واجهة الأحداث، حتي ولو بعمليات إرهابية يسقط فيها أبرياء ولا تطال الأمريكيين مباشرة. فالجماعة السلفية للدعوة والقتال، التي أعلنت أنها فرع للقاعدة في بلاد المغرب، هي تنظيم قوي نسبيا، استطاع أن يبني نفسه بعيدا عن أجهزة الأمن، معتصما بالجبال المغربية الوعرة، وبوجود ظروف وسياقات عديدة تشجع  علي العنف الاجتماعي والسياسي في الجزائر. ومن هنا بات من المفيد لقيادة القاعدة، المتمثلة في أسامة بن لادن وأيمن الظاهري، أن تحتضن هذه الجماعة التي رفضت إلقاء السلاح، والانضواء  تحت راية «المصالحة الوطنية» التي رفعها الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة فقوتها ستنسب في خاتمة المطاف إلي قوة القاعدة، وستظهر أمام العالم أجمع أن القاعدة تنظيم يستعصي علي الاستئصال.
 
ومنذ المنشأ فقد أدت المحنة التي تعرض لها «الأفغان العرب»، عقب اندلاع الحرب الأهلية بين فصائل «المجاهدين الأفغان» إلي أن يبذل الراديكاليون الإسلاميون المغاربة، شأنهم في هذا شأن تنظيمات الجهاد في بلدان عربية وإسلامية شتي، أقصي جهد ممكن في سبيل توفير حياة آمنة، بعد أن أيقنوا أن عودتهم إلي بلادهم معناها السجن المحقق، بل الإعدام.  وكانت ثمرة هذا الجهد تكوين نواة لشبكة عالمية، تمت الاستفادة بما فيما بعد حين أعلن في منتصف فبراير عام 1998 عن قيام ما تسمي بــ «الجبة الإسلامية العالمية لجهاد اليهود والصليبيين» المعروفة إعلاميا باسم «تنظيم القاعدة».
 
لكن ضرب طالبان التي احتضنت تنظيم القاعدة وفرت له الحماية والامكانات اللوجستية، جعل بعض الأفراد المنتمين إليه يعودون إلي بلادهم، ناقلين إليها الخبرات التي تعلموها علي أرض أفغانستان، حيث تمكن هؤلاء خلال فترة تواجدهم علي الأراضي الأفغانية، إبان فترة الجهاد ضد الاتحاد السوفيتي المنهار، من اكتساب مهارات جديدة، أتاحتها «عولمة الاتصالات والمعلومات» فتمكنوا من صناعة إعلام مضاد لإعلام الدولة  من خلال شبكة «الإنترنت» والفاكس والفيديو والكاسيت، واستخدموا التقنيات الحديثة في حشد وتعبئة الكوادر التنظيمية، وامتلاك قدرات متطوررة نسبيا علي تنفيذ عمليات العنف المسلح ضد رموز السلطة ورجال الأمن وكبار الكتاب، واستفاد بعضهم من بنية الحداثة القانونية في الدول الغربية، والتي مكنتهم من الحصول علي اللجوء السياسي والإقامة فيها، وشكل هؤلاء قاعدة خلفية للمتطرفين الإسلاميين في بلاد المغرب العربي.
 
هذه الخبرات مكنت التنظيمات الإرهابية من أن تعبر الحدود بسهولة، وتكون شبكات قادرة علي تنفيذ عمليات مدروسة في أكثر من بلد في آن واحد. وهذا تماما ما حدث في الدار البيضاء والجزائر، الفارق الوحيد أن الأمن في الأولي كان يقظا فانتبه إلي «الانتحاريين» قبل أن يصلوا إلي أهدافهم المبتغاة، فاضطروا إلي التفجير العشوائي لأنفسهم، مما أنقذ هذه الأهداف من التدمير وقلل الخسائر البشرية والمادية. أما في الثانية فقد تمكن الإرهابيون من الوصول إلي أهدافهم المنتقاة بعناية فائقة، وفي مقدمتها مبني الحكومة الجزائرية، ليوقعوا عشرات القتلي والجرحي، ويعيدوا البلاد في لحظة سريعة إلي سابق عهدها من العنف الدموي الممقوت، الذي أودي خلال تسعينيات القرن المنصرم بحياة ما يربو علي مائة ألف شخص.
 
وتمتد شبكة القاعدة، التي تشكل «الجماعة السلفية للدعوة والقتال» جسمها الرئيسي، في بلاد المغرب العربي، عابرة الحدود من الجزائر إلي المغرب وليبيا، ولديها قدرة علي أن تقوم بعمليات نوعية في تونس، مثل التفجيرات التي استهدفت المعبد اليهودي بجربة عام 2002. وتطول هذه ا لشبكة موريتانيا، التي شهدت عمليات نوعية ضد القوات المسلحة خلال العام الماضي، ثم مالي والنيجر. بل إن القاعدة تمكن من تجنيد عناصر في غرب أفريقيا، خاصة في نيجيريا، التي خرجت منها مظاهرات عارمة تندد بضرب طالبان، وتنادي بالانتقام من الأمريكان. وهناك احتمال أن تمثل هذه الشبكة قاعدة خلفية للعناصر التي تعتزم القيام بعمليات عنف في جنوب أوروبا، خاصة في إسبانيا وبريطانيا وإيطاليا.
 
وهذه الشبكة قد تدخل في صراع سافر ضد المصالح الأمريكية المتنامية بالقارة السمراء، لاسيما مع اتجاه واشنطن إلي إقامة قاعدة عسكرية لها في أفريقيا، في ظل اهتمامها بهذه القارة، بعد أن أظهرت المسوح الجيولوجية أنها تحوي احتياطات هائلة من النفط، خاصة  حول خليج غينيا، وكذلك مع احتمالات تدخل الولايات المتحدة في بعض البؤر الأفريقية الساخنة، مثل دارفور، التي سبق أن هدد  القاعدة بأنه سيحولها إلي مقبرة للأمريكيين وحلفائهم أن أنزلوا قواتهم بها.
 
وحال نجاح هذه الشبكة في القيام بعمليات موجعة للأنظمة الحاكمة من ناحية، وللأمريكيين وحلفائهم من ناحية ثانية، فإن هذا قد يشجع التنظيم الرئيسي علي  البحث عن جماعات متطرفة محلية في بلدان عربية وإسلامية أخري لتنضوي تحت لوائه بشكل غير مباشر، وتقوم بعمليات نوعية تصب في خاتمة المطاف في إطار الاستراتيجية العامة لتنظيم القاعدة، التي باتت تزاوج بين قتال العدو القريب وهو في نظرها «الأنظمة الحاكمة في البلدان العربية والإسلامية» والعدو البعيد وهي الولايات المتحدة وإسرائيل وحلفائهما في الغرب.
 

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »