الجسد بيتكلم احياناً

شارك الخبر مع أصدقائك

د. ماجدة بركة

هل يتكلم جسدك حين تصمت؟ نعم بل إنه كما يعلو صوتك وينخفض كذلك فإن لغة جسدك تعلو نبرتها وتدنو. فتكون لغة جسدك واضحة النبرات حين تعبس أو تبتسم، وحين تركز بانتباه شديد فيما يقوله الاخرون،أوتشيح بوجهك إعراضا وهو ما يقرءه هؤلاء بوضوح، وتكون لغة جسدك اقل وضوحا حين تطرق لتخفى تعبيرات وجهك سواء كانت معبرة عن رضا أو استياء وسواء كنت تفكر فيما يقال،أم شبه غائب عن محيطك المباشر لأنك مستغرق فى شواغل أخرى. وهناك من خبراء علم النفس من يرون ما يدق على سواهم فيخبرنا د. شريف عرفة، خبير التواصل الدارس لعلم البرمجة اللغوية العصبية على سبيل المثال، أنك تستطيع أن تحدد مدى صدق محدثك من كذبه بالتأمل فى اتجاه عينيه وهو يقدم لك عذرا من اعذاره، فإذا كان – وهو يسترجع روايته – ينظر إلى يمينه فهو صادق لأن نصف المخ الأيمن هو المسئول عن الذاكرة والتفكير المنطقى، اما إذا كان يرويها لك وعيناه تتجهان إلى يساره فهو قد «فبرك» قصته لأن نصف المخ الأيسر هو المخصص للخيال والإبداع والتذوق.

وقد تختلف لغة الجسد أيضا فى دلالتها من زمن لزمن فكان الابن يقبل يد الأب فى زمان بمصر ليس بعيدا كل البعد (أيام سى السيد مثلا) بينما يندر أن يحدث هذا الأمر اليوم كتعبير عن الاحترام، خاصة فى الحضر، كما تندثر كذلك عادة تقبيل يد الملك فى غالبية المجتمعات الملكية. وتختلف لغة الجسد من مجتمع لمجتمع، فيكون من المعتاد فى مجتمعنا المصرى أن تقبل النساء بعضهن عند اللقاء ويقبل الرجال بعضهم البعض دون حرج، بينما يكون الحرج كل الحرج فى مجتمعات غربية عديدة أن يحدث ذلك.

ومثلما تتبدل دلالة مفردات لغة الجسد من زمن لزمن ومن مجتمع لمجتمع، فهى قد تختلف من طبقة اجتماعية إلى أخرى، فالطبقات الأدنى تكون على سبيل المثال أكثر تقبلا للصوت العالى والنداء على الأشخاص – خاصة الرجال – عن بعد، وهم أيضا أكثر إقبالا على الألوان الصاخبة فى الملبس خاصة للتعبير عن الفرحة فى الأعياد، ويكون ذلك فى ملابس الأطفال أكثر منه فى ملابس الكبار وفى أزياء النساء أكثر منه فى ملابس الرجال.

والأديب المبدع بما هو رسام ماهر للشخصيات، يمكنه أن يبرع فى تصوير «لغة الجسد» بمختلف تجلياتها. وفى إعادة قراءة لرائعة يحيى حقى «قنديل ام هاشم» وجهان من أوجه رسم الشخصيات، يتعلق الوجه الأول بالمرض واثره على الأداء الجسدى الحركى على نحو قد لا تفطن اليه النظرة العجلى غير المتأنية، ويتعلق الثانى بتأثير تطور الشخصية على جسد صاحبها وعلى شكل وتعبيرات ذلك الجسد.

ففى رسمه لتأثير مرض الرمد على حركة زينب قريبة إسماعيل، بطل القنديل يقول: «تعودت أن تسهر معه كأن الدرس درسها، تتطلع اليه بعينيها المريضتين محمرتى الأجفان، وأصابعها تعمل فى حركة متصلة لا تنقطع فى بعض أعمال التريكو، من ذا الذى يقول لإسماعيل: تنبه إلى هاتين اليدين كيف دبت فيهما خلسة حياة غريبة وحساسية يقظة ولمس متعرف؟ ألا تفهم؟ ألا تفطن إلى أن اقتراب عاهة العمى فى السليم هو أن تبدأ يداه فى الإبصار؟»، ثم فى ختام الرواية حين يصف أثر إصابة اسمـاعيل بالربـــــو: «وأصيب بالربو فاحتقن وجهه وتندى العرق على جبينه، وانقلب تنفسه إلى نوع من الموسيقى، وأصبح من يشاهده لا يدرى أهو متعب أم مستريح، كلما احتبست ضحكاته فى حلقه، اجتمعت فى عينيه، فليس هناك أقوى على التعبير من عيون المصدورين يكاد يقفز اليك منها شيطان لعوب، كلها حب وفهم، فيها خبث وطيبة، وتسامح وإعزاز».

أما الوجه الثانى فهو رسم يحيى حقى لتغير حركة الشخصية وايماءاتها جراء تغيرها النفسى – ولا أقصد بهذا التغيرات التلقائية الفورية المعتادة كأن يحمر وجه المرء خجلا أو غضبا أو أن تتسارع ضربات قلبه خوفا أو قلقا – بل تلك التغيرات الدالة على تحول نفسى أبعد أثرا وأطول مدى، يصف يحيى حقى التغير الذى طرأ على إسماعيل ابن الأسرة القروية التى هاجر عائلها إلى حى السيدة زينب، وقد وصل إلى الإسكندرية عائدا من أوروبا بعد سبع سنوات اختلط فيها بأهلها وتلقى تعليمه فى طب العيون: «من هذا الشاب الأنيق السمهرى القامة، المرفوع الرأس، المتألق الوجه الذى يهبط سلم الباخرة قفزا؟» ثـم «إذا دققت النظر اليه وجدت تكورات وجهه قد زالت، وشد شدقاه فى أخدودين، كانت شفتاه مرتخيتين قلما تنطبقان، أما الآن فقد ضمهما عزم ووثوق».

وبعد صدام مرير بين ثقافة حملها معه من الغرب وثقافة قومه، وبعد مضى سنوات صار فيها كهلا وتاقلم فيها على نحو جديد مع بيئته تأقلما واءم فيه بين علم الغرب وثقافة أهله وسكان حيه والأحياء المجاورة من الفقراء الذين كرس علمه لعلاجهم متخليا عن تعاليه السابق وحلمه بالثراء، يصفه قائلا: «وكان فى آخر أيامه ضخم الجثة، أكرش، أكولا نهما، كثير الضحك والمزاح، ملابسه مهملة، تتبعثر على أكمامه وبنطلونه آثار سجائره التى لا ينفك يشعل منها واحدة من منتهية».

ليس الجميع خبراء فى قراءة لغة الجسد مثل الدكتور شريف عرفه، وليسوا جميعا أدباء موهوبين فى متابعة دقائق لغة الجسد فى تعبيرها عن أدواء الجسد وتبدلات النفس مثل يحيى حقى، لكن كما يرصد الناس التناقض بين القول والفعل ويأنف غالبيتهم ذلك فيرفضون فى عالم السياسة من يعبر لهم بالقول عن مودة لا تنعكس فى خطوات السياسة الفعلية (تذكر كيف كان المصريون يتندرون بأن الرئيس السادات كالسيارة التى تعطى إشارة اليمين ثم تدخل يسارا، وكيف لا يستجيبون اليوم لتعبيرات الحب والاحتضان)، كذلك فإنهم – فى مزاجهم الجديد المتطلب لسلطة تأتى من بين ظهرانيهم ولا تعلو عليهم – باتوا أكثر رفضا لتعبيرات التهديد والإنذار، كما يظهر من آلاف النكات التعليقات الإعلامية وعلى صفحات التواصل الاجتماعى الساخرة من حركة رفع الإصبع فى وجوههم تحذيرا وتهديدا – سواء أتتهم من المسئولين العسكريين أو الساسة.

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »