رجائى عطية

التنطع الإسرائيلي‮!‬

شارك الخبر مع أصدقائك

رجائى عطية

تأبي إسرائيل إلا أن تدس أنفها في كل شيء، فمرة تتحدث عن موسي بن ميمون الطبيب الفيلسوف العربي وكأنه من إسرائيل، ومرة تتحدث عن المعابد المصرية اليهودية في بر مصر، وكأنها حامية جمي الدنيا والوصية علي الآثار المصرية.. ثم ها هي تلاحق بدس أنفها الفنانة المصرية الراحلة ليلي مراد.. وبدلاً من أن تحيي كيف عاش اليهود عيشة راضية في مصر عبر العصور، منهم من أسلم بإرادته، كليلي مراد، ومنهم من ظل علي يهوديته دون أن يضيق عليه أحد.
 
بدلا من أن تحيي إسرائيل هذا الواقع المصري، واحتفال مصر بليلي مراد في صورة المسلسل الذي صُنف وأنتج وعرض عن قصة حياتها، أبت إسرائيل ـ إلاَّ أن تستأنف التنطع، فيتصدي ناقد سينمائي إسرائيلي لانتقاد المسلسل، ولكنه لا يقتصر علي النواحي الفنية، ولا حتي علي ما أقر به من إبراز المسلسل للحياة الرغدة التي عاشتها الجالية اليهودية في مصر، وإنما يفتعل الأسباب للادعاء بأن اليهود كانوا جزءاً مهما من تاريخ مصر والدول العربية!
 
تأبي إسرائيل إلاّ أن تشد الأمور علي دائرة التعصب الديني.. لأنها كائن قائم علي هذه العنصرية الدينية.. وتتجاهل أهم ما في قصة ليلي مراد وغيرها ممن ولدوا علي تراب مصر، وعاشوا تحت سمائها، وشربوا من نيلها، واستظلوا بظلها.. هذه هي القضية.. ليس يهم ما هي ديانة أو ماذا كانت ثم أصبحت ديانة ليلي مراد.. المهم أنها قطعة من مصر، عاشت في هناء وبحبوحة علي ضفّتي نيلها، وانطلقت وأبدعت وتألّقت في باحة مناخها.. في واحةٍ تُساوي بين الناس، ولا تتوقف عند الأعراق والعصبيات.. لم تلفظ هذه الواحة أحداً من باحتها لدين أو لعرق.. في موروثها التاريخي مئات من الأمثلةالتي صبت في المساواة والإسماح..  يتسامعون قصة الفاروق عمر حين صادف شيخا يهوديا ضريرا يتكفف الناس، فأخذه بيده إلي بيت المال يقول لعامله عليه : »انظر هذا وضرباءه، فوالله ما أنصفناه إن أكلنا شبيبته ثم نخذله عند الهرم«!
 
في هذه الواحة الوارفة، وهذا هو المعني الحقيقي الذي يجب الوقوف عنده، تألقت نجوم في الحكمة والطب والفلسفة والأدب والفن.. منهم المسلم ومنهم النصراني ومنهم اليهودي.. لم تغلق باحة المساواة بابها في وجه أحد لعرقه أو لدينه.. نبغ في هذا المناخ اليهود والنصاري كما نبغ المسلمون، وامتلأت مصر والأقطار العربية بالأطباء النصاري الذين نبغوا فيها ومنهم من شق طريقه إلي العالمية.. لم يقل الدكتور العبقري مجدي يعقوب إنه قبطي أو نصراني، وإنما هو الطبيب المصري ابن مصر البار الذي شف عن حنين جارف إلي الوطن يدفعه كل يوم لتقديم حصاد عبقريته لمصر والمصريين.
 
هذه هي القيمة التي يجب استخلاصها من حياة وسيرة ومسيرة ليلي مراد، وزكي مراد، ومنير مراد.. وهي هي التي يجب استخلاصها من تعيين موسي قطاوي باشا ـ المصري اليهودي وزيرا للمالية في القرن الماضي! ومن عشرات الأمثلة لما نعم به اليهود في بر مصر.
 
المشكلة أن إسرائيل تأبي إلاّ أن ترد الأمور إلي العنصرية البغيضة، فتتنادي بيهودية الدولة التي أقامتها علي الوطن الفلسطيني المغتصب.. هذه العنصرية التي تتمسك بها إسرائيل هي باب جهنم للعالم كلّه.. لو حذت دول العالم حذوها، لا نشطرت البلدان إلي إسلامية ومسيحية ويهودية.. فلكل فعل رد فعل مضاد له في الاتجاه.. ولن يدوم مشهد التمسك بيهودية الدولة طويلا دون أن يحرك الحساسيات ويثير الاحتقانات ويحيي العصبيات ويشد إلي التطرف.. ويقيم حرباً ضروساً بين الأديان!
 
هذا هو حقيقة الحصاد المرّ للعرقية والعنصرية الصهيونية الإسرائيلية!
 

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »