التمـــــــويل الإســـــــلامى وتحـــــدياته

التمـــــــويل الإســـــــلامى وتحـــــدياته
جريدة المال

المال - خاص

1:07 م, الخميس, 23 يناير 14

أحمد عبدالغنى

بقلم: أحمد عبدالغنى : مدير تطوير الأعمال، عضو مجلس الإدارة التنفيذى بشركة ريدج كابيتال القابضة:

مما لا شك فيه، أن التمويل الإسلامى يعد من أسرع القطاعات المالية نموًا فى النظام المالى العالمى الحالى، وذلك ظهر واضحًا بعد الأزمة المالية العالمية التى اجتاحت العالم عام 2008، والتى كانت المحرك الرئيسى لنمو قطاع التمويل الإسلامى.

فالأزمة المالية التى ضربت العالم أدت إلى تحول المستثمرين للبحث عن حلول ومنتجات غير تقليدية لاستثمار ثرواتهم وتمويلهم، وساعد على ذلك الطفرة الاقتصادية التى شهدتها بعض البلاد الإسلامية مؤخرًا والتى اتجهت لخلق منتجات مالية إسلامية جديدة وبديلة للمنتجات التقليدية والتى جذبت إليها الكثير من المستثمرين من المسلمين وغيرهم، فضلاً عن ذلك فإن هناك دولًا أخرى مثل المملكة المتحدة قد نما بها التمويل الإسلامى بصورة كبيرة، متفوقة بذلك على الكثير من البلدان الإسلامية، والتى يتوقع بعض الخبراء أن تدخل فى منافسة شرسة مع دولة الإمارات لتحقيق الريادة فى التمويل الإسلامى، ووفقًا للتقديرات فإن قطاع التمويل الإسلامى العالمى سيتخطى حاجز الـ2 تريليون دولار بنهاية عام 2014، ومن المتوقع أن يصل حجم التمويل الإسلامى إلى ما بين 4 و5 تريليونات دولار بنهاية عام 2015.

وعلى الرغم من ذلك فإن حجم تعاملات البنوك المتوافقة مع الشريعة الإسلامية يظل ضئيلاً إذا ما قورن بحجم تعاملات البنوك التقليدية، ففى مصر على سبيل المثال ووفقًا لتقدير الخبراء فإن حجم التعاملات البنكية المتوافقة مع الشريعة الإسلامية قد بلغ 77 مليار جنيه بنهاية شهر سبتمبر 2013، بنسبة لا تتجاوز %7.2 من حجم التعاملات البنكية فى مصر، مقارنة بـ%6.6 فى العام السابق، ويأتى هذا نتيجة عدة عوامل أهمها قلة عدد البنوك الإسلامية فى مصر، بالمقارنة بدول أخرى، خاصة فى منطقة الخليج العربى وبحصة سوقية لا تتجاوز %5 على أحسن تقدير، بالرغم من عدم وجود أى أسباب تعوق نمو هذه البنوك فى مصر، على الرغم من المطالب المتكررة من قبل هذه البنوك بإنشاء هيئة رقابية شرعية دائمة بالبنك المركزى المصرى للرقابة على المنتجات البنكية المتوافقة مع الشريعة الإسلامية، وتحديد قواعد قيد وشطب أعضاء الهيئات الشرعية بالبنوك، وإنشاء سجل لقيد العلماء الشرعيين المعتد بهم بالبنك المركزى، وذلك لمحاربة تضارب الفتاوى أو صدورها من قبل أشخاص غير أهل لها.

ويمكن القول بأن قلة عدد البنوك الإسلامية فى بلدنا، هو الأمر الذى جعل البنك المركزى لا يقوم بإدراج نصوص خاصة بها فى قانون البنوك، وذلك على الرغم من أن النواة الأولى لإنشاء بنك إسلامى على المستوى العالمى كان فى عام 1963 فى مدينة ميت غمر بمحافظة الدقهلية بجمهورية مصر العربية.

وبشكل عام فإنه فى كثير من البلدان العربية، وغيرها ما جعل هناك تحديات كبيرة تواجه البنوك الإسلامية وتضعها فى وضع تنافسى صعب مع نظيراتها التقليدية، خاصة فى البلاد المعمول بها بالنظامين الإسلامى والتقليدى، ومن أبرز هذه التحديات: «1» وجود نقص عالمى كبير فى المهنيين المحترفين فى الصيرفة الإسلامية، حيث إن أغلب خبرات موظفى هذه البنوك كانت فى بنوك تقليدية، «2» طبيعة التقارير النظامية، حيث إن التقارير النظامية القانونية والقوائم المالية تكون مختلفة بعض الشىء طبقًا لطبيعة نشاط البنك، وذلك إذا كانت متوافقة مع الشريعة الإسلامية أو تقليدية، ويرجع هذا الاختلاف أساسًا لكون البنوك الإسلامية لا تتعامل بنظام الفوائد المستحقة «accrual of interest »، ومن ناحية أخرى فإن ودائع العملاء والتى تعتبر التزامًا «liability » فى البنوك التقليدية على خلاف البنوك المتوافقة مع الشريعة الإسلامية، والتى تعتبرها أموالاً أو أصولًا تحت الإدارة «funds under mangement » وليس التزامًا، ولكن تكمن المشكلة هنا فى أن القوانين والجهات الرقابية فى بعض البلاد تجبر البنوك الإسلامية على معاملة ودائع العملاء فى تقاريرها وقوائمها المالية، على أنها التزام مثل البنوك التقليدية وبناء عليه فإن البنوك المتوافقة مع الشريعة الإسلامية تعيد هيكلة حساباتها وقوائمها المالية مرة أخرى قبل تقديم عوائدها التنظيمية «regulatory returns ».

«3»، فضلاً عن ذلك فإن بعض البنود فى كثير من الاتفاقيات العالمية لا تتوافق مع طبيعة نشاط البنوك الإسلامية، ولعل ذلك يبدو واضحًا فى اتفاقية بازل 2 «basel II »، والتى تجبر البنوك على الحفاظ على نسبة محددة من احتياطاتها من الأصول المرجحة بالمخاطر «reserves of risk weighted assets »

فعلى سبيل المثال فإن الاحتياطى القانونى للبنوك لدى البنوك المركزية يعتبر عديم المخاطرة، وهذا ما لا يتفق مع البنوك التى تتعامل طبقًا للشريعة الإسلامية، بالإضافة إلى ذلك فإن اتفاقية بازل 2 تجبر البنوك على عدم المساهمة فى أى شركة من الشركات التى تقوم بتمويلها بل على العكس تقوم بفرض عقوبات على البنوك التى تقوم بخلاف ذلك، وتعد هذه من أكبر المشكلات للبنوك المتوافقة مع الشريعة الإسلامية، حيث إنها حينما تقوم بتمويل الشركات والمؤسسات بنظام المشاركة أو بنظام المضاربة الأحادية «Single – tier Mudarabah »، تكون بمثابة الشريك المالى الذى يقوم بالتمويل، أى أنها تشارك بحصة مساهمة فى هذه الشركات، ولكن للأسف فتبعًا لاتفاقية بازل 2 فإن ذلك يخضع لنسبة مخاطرة مرجحة من 300 إلى %400 طبقًا لكونها مؤسسة عامة أو خاصة، وهذا يزيد تكلفة التمويل للبنوك المتوافقة مع الشريعة الإسلامية فى عقود المشاركة والمضاربة، مما يجعلها دون جدوى حين الدخول إلى حيز التنفيذ، فضلاً عن ذلك فإن هذه المتطلبات تتعارض مع قواعد الشريعة الإسلامية حيث إن المخاطر تكون مشتركة بين البنك والعميل أو الشركة التى يقوم بتمويلها.

«4» ومن أهم المشكلات التى تواجه المصارف الإسلامية كذلك مشكلة فائض وعجز السيولة، وهى تعد مشكلة كبرى ففى حال فائض السيولة عند بعض المصارف الإسلامية نواجه مشكلة أن البنوك لا تعرف أين يمكن أن تستثمر هذا الفائض، حيث لا يوجد أمامها إلا خياران اثنان يتمثلان فى أن تحتفظ بالنقود فى الخزائن الخاصة بالبنك المركزى دون فائدة أو أن تحول جزءًا منها إلى عملة أجنبية، حيث يمكن للمصارف الإسلامية أن تستفيد من فروق أسعار صرف العملات، ومن ناحية أخرى فقد يجد البنك نقصًا حادًا فى السيولة نتيجة عدم قدرته على جذب ودائع العملاء، وفى الوقت نفسه لا تستطيع هذه البنوك اللجوء إلى البنك المركزى كمقرض أخير «Lender of the last resort »

ويمكن القول بأن هذه المشكلة نفسها يمكن أن تواجه البنوك التقليدية، كما هى الحال فى البنوك المتوافقة مع الشريعة الإسلامية، ولكن البنوك التقليدية يمكن لها بسهولة توظيف أى فائض سيولة أو سد عجز السيولة عن طريق اللجوء للبنك المركزى أو اللجوء إلى البنوك الأخرى «inter – bank money market » أو سوق الأوراق المالية الثانوية «secondary securities market » على عكس البنوك المتوافقة مع الشريعة الإسلامية، والتى لا تستطيع اللجوء إلى هذه الأدوات لتعاملاتها بالفائدة.

وكما استعرضنا أهم المشكلات التى تواجه البنوك المتوافقة مع الشريعة الإسلامية سنستعرض سريعًا أهم الحلول الممكنة لمساعدة هذه البنوك على النمو، ويتلخص أهم هذه الحلول فى الآتى: «1» إن البنوك المتوافقة مع الشريعة الإسلامية تحتاج إلى قوانين وتشريعات تحكم وتراقب طبيعة عملها الخاصة بعيدًا عن البنوك التقليدية وقد بدأت بالفعل بعض الدول دراسة تطبيق معايير كفاية رأس المال والتى نشرت فى عام 2006، بواسطة مجلس الخدمات المالية الإسلامية «IFSB » بماليزيا والمتوافقة إلى حد كبير مع اتفاقية بازل 2 لتطبيقها على قطاع المؤسسات البنكية المتوافقة مع الشريعة الإسلامية.

وعلى الرغم من أن هذه المعايير لا تطبق عالميًا بالطريقة نفسها فإنها تمكن هذه البنوك من العمل وفقًا لقواعد الشريعة الإسلامية، وفى الوقت نفسه يمكنها أن تلتزم بالقواعد المعمول بها فى بلدها دون إخلال.

«2» وهناك مقترح آخر بتعديل البنية الأساسية للبنوك المتوافقة مع الشريعة الإسلامية لتصبح شركات تضامن بدلاً من شركات مساهمة أى التضامن كشكل قانونى لإدارة أموال المودعين، حيث إن الشركة المساهمة ليست هى الإطار المناسب لإدارة أموال المودعين.

«3» وأخيرًا وليس آخرًا يجب على البنوك الإسلامية فى العالم أن تتفق فيما بينها، وفى إطار قانونى على إنشاء أسواق مالية «money markets »، وذلك للعمل على حل مشكلات فائض السيولة. 

جريدة المال

المال - خاص

1:07 م, الخميس, 23 يناير 14