رجائى عطية

التعريف بشكسبير

شارك الخبر مع أصدقائك

وجه اختيارى لهذا الكتاب فى هذا المجلد، أنه عن الشعر وعن شاعر من أميز شعراء الإنسانية، وفى الشعر المسرحى على وجه الخصوص.

ويرجع تأليف الأستاذ العقاد لهذا الكتاب إلى عام 1958، ونشرته دار المعارف بالقاهرة فى ذلك العام فى طبعة خاصة فى 224 صفحة من القطع المتوسط، ورقمها الاصطلاحى بدار المعارف (17977)، وأعيد نشره ببيروت ضمن المجلد / 19 للمجموعة الكاملة لمؤلفات العقاد بيروت سنة 1981، وطوى هذا المجلد أيضًا على «تذكار جيتى» و«فرنسيس بيكون» و«برنارد شو» وقد تناولناهم فى المجلد الرابع من مدينة العقاد إصدار دار الشروق 2019.

عصر شكسبير

عصر شكسبير فيما يبدأ الأستاذ العقاد هذا الكتاب هو عصر النهضة الأوروبية إبان إزدهاره، والمصطلح على تحديده من منتصف القرن الخامس عشر الميلادى عند فتح القسطنطينية إلى نهاية القرن السابع عشر وأوائل القرن الثامن عشر. هذا العصر المسمى بعصر الاستنارة، ويسميه الأوروبيون باسم «المولد الجديد»، وأحيانًا باسم «عصر إحياء العلوم»، بيد أن مسمى «الدعوة الإنسانية» Humanism هو أصدق الأسماء فى تمييز مقاصد العصر ووجهة النهضة فيه.

وقد كان لانتشار الحضارة الإسلامية أثره فى الإيحاء بنصيب الإنسان من دنياه، وكان « بترارك » (1304 1374م) رائد الإنسانيين، يتغنى بالحب على أسلوب الشعراء الجوالين الذى اقتبسوا أناشيدهم من الشعراء الأندلسيين، ويلحق به رهط من الأدباء والقصاصين ينسجون على منوال ألف ليلة وليلة فيما تخيلوه مثالاً لمتعة العيش.

وقد بدأت هذه الدعوة الإنسانية مقابل الدعوة للتقشف والإعراض عن الحياة بعد قرن من قيام الدولة الإسلامية فى الأندلس، وعززتها الكشوف المتوالية التى صححت مكان الإنسان من العالم.

وامتد عصر الكشوف السماوية والأرضية حتى جاء نيوتن فكشف عن قانون الجاذبية وقوانين الحركة فى الأفلاك وفى الأجسام المادية، وكشف العلم عن حقائق جسم الإنسان والأجسام الصماء، وعُرفت حقيقة الدورة الدموية ووظائف الأعضاء من خلال تشريح البنية الحيوانية.

كان معنى عصر النهضة أو عصر الرشد، فيما ينوه الأستاذ العقاد، الإعتراف بحق الإنسان فى التفكير وحقه فى الحياة، وتمثل هذا الحق فى كل شعبة من شعب الفكر وكل غرض من أغراض الحياة.

ومما ساعد على انتشار دعوة الإنسانيين ؛ أن كثيرًا من اللاهوتيين المتقشفين المخلصين فى زهدهم وإعراضهم عن الدنيا، كانوا يقبلون على دراسة الفلسفة والحكمة ويختبرون دراسة العلوم الطبيعية.

على أن هؤلاء النساك المشتغلين بالفلسفة والحكمة يؤيدون دعوة الإنسانيين إلى متاع الحياة من طريق آخر.

وكانت البلاد الأوروبية تموج بالوعاظ من زمرة النساك الدارسين، ولم تخل أمة فى القارة ولا فى الجزر البريطانية من واعظ جهير الصوت شديد الحملة على البذخ والنفاق بين ذوى الرئاسات من رجال الدين.

ومن الواضح فيما يضيف الأستاذ العقاد أن عصر النهضة خليق بأسبابه العامة أن يعم الأمم الأوروبية ولا ينحصر فى ناحية واحدة منها.

غير أن الجزر البريطانية اجتمعت لها فى عزلتها أسباب خاصة مع الأسباب العامة جعلتها فى ثورة مطبقة تشترك فيها بجملتها فضلاً عن الثورة التى كانت تختلج فى نفوس المحكومين على الحكام والسادة.

فقد كانت الجزر البريطانية فى عزلتها بعيدة عن سيطرة روما، قريبة من معاهد العلم فى أوروبا الغربية، فخف طلاب المعرفة الأذكياء إلى مدارس إسبانيا وفرنسا وصقلية ونبغ منهم حوالى القرن الثانى عشر نفرٌ لا يساويه فى عدده وعلمه نظراؤهم فى الأمم الأوروبية الأخرى.

وضاعف من وفرة هذه العوامل ؛ أن هذه الجزر أصبحت فى المحيط الأطلسى بعد كشف القارة الأمريكية وكشف طريق رأس الرجاء الصالح أصبحت مركز نشاط حيث تحولت إليها طرق الملاحة العالمية، فنشطت فى إنجلترا طوائف عدة من الرواد والملاحين ورجال الأعمال وطلاب المغامرة والمرشحين لولاية الحكم فى مستعمرات الغرب والشرق، وتعاظم نفوذ هذه الطوائف فى عصر شكسبير، فنالت الأمة الإنجليزية منها ما لم تنله الأمم الأوروبية إلاَّ بعد عشرات السنين.

«ولما دخلت إنجلترا فى المذهب البروتستاتنى، كان دخولها فى هذا المذهب بمثابة ثورة من طرفين متقابلين : ثورة الملك على سيطرة الكنيسة للاستقلال بالحكم فى دولتهم وإقامة أنفسهم على رأس الكنيسة فى بلادهم، وثورة الشعب الذى كان على استعداد لخلع الرئاسة الدينية المفروضة عليه بعد تتابع الدعوات من قبيل دعوة وايكليف وأتباعه، أو قبيل دعوة المتطهرين التى ضمت فى أحضانها شراذم متفرقة من طبقات متفاوتة تدين أحياناً بعقائد روما ولا تدين فى الجملة بمراسمها وتقاليدها «الكهنوتية».

«وزبدة هذه العوامل المتشابكة، أن الحوادث كانت تميل بالأمم البريطانية إلى الجانب المعارض للنظام القائم منذ القرون الوسطى، وأن دعوة الإنسانيين بالنسبة إليها كانت إلى الواقع المقرر أقرب منها إلى الرأى والمطاوعة المقصورة، فكل ما حرمته النظم القائمة فهو بحكم المصلحة أو بحكم رد الفعل عرضة للمناقضة والشك من الجانب الذى يناظره ويتحداه، وهذا الذى جعل الجزر البريطانية على عهد النهضة فى ثورة مطبقة تشترك فيها بجملتها فضلاً عن ثورتها فى داخلها على حكامها».

وهذه العوامل المتشابكة بدت صريحة ناطقة فى صفحات الكتب ونظرات المفكرين وذوى الرأى فيما يتناولونه من موضوعات الدعوة الإنسانية أو فيما يتخلل الموضوعات العامة بمعزل عن تلك الدعوة، وفى جملتها تردد حق الإنسان فى التفكير المستقل والحياة الدنيوية، وتصحيح مكانه فى هذا العالم، وهذه هى رسالة عصر النهضة التى بلغت مرحلتها الوسطى قبيل ميلاد شكسبير، وبقيت آخذة فى التمام والاتساع أثناء حياته وبعد مماته.

rattia2@hotmail.com

www. ragai2009.com

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »