رجائى عطية

التعريف بشكسبير (9)

شارك الخبر مع أصدقائك

المؤلف

ولدت المسرحية الإنجليزية، فيما يستهل الأستاذ العقاد هذا الفصل، قبل مولد شكسبير فى منتصف القرن السادس عشر، وسميت بالمسرحية الحديثة، وكانت فتحًا، فلم تكـن طريقها ممهدة سهلة، وظهرت المسرحيات الأولى نحو سنة 1550 م، ولم يبدأ القرن السابع عشر إلاَّ وكانت قد أوفت على التمام، ولم تزحزحها من مكانها إلاَّ مسرحية جديدة أخرى جاءت فى إبان عصر العلم الحديث، بين أواسط القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين.

كان التجديد فى القرن السادس عشر غلابًا ماضيًا فى طريقة بين محافظة المتطهرين وطلاقة الإنسانيين، وبسبب مؤازرة صفوة العلية النبلاء، لم تعقه مقاومة المتطهرين بل وكانت ـ من حيث لم تقصد ـ من أسباب سرعة التجديد وانطلاقه.

وكان الكاتب المعاصر آنذاك ـ «جوسون nossoG» (1554 ـ 1624 م) لسان حال المحافظين المتشددين، وكان شعاره فى حملته على المسرحية الجديدة أنها فن بلا روح، حيث كان يلتمس روح الفن فى القداسة التقليدية.

وكان «مارلو» رائد المسرح فى عصر شكسبير ـ لسان حال الغلاة من المجددين ـ كان يقول إن الدين لعبة… وأنه «لا خطيئة أقبح من الجهالة»، وشعاره أن المسرحية الجديدة قد وجدت فكرها ولم تضيع روحها، فالروح لا تضيع مع المعرفة، وإنما مضيعتها فى الجهالة والجهلاء.

وكان العصر ـ فيما يضيف الأستاذ العقاد ـ بحاجة إلى مذهب قوام بين المذهبين، فكان قوامه فى عالم المسرح مذهب شكسبير معتدلاً متوسطًا بين الإيمان بالمعرفة والإيمان بالغيب.

ولعل المعرفة لم تكن وحدها كفؤًا لمناضلة العادات المتراكمة من بقايا القرون الوسطى لو لم تصاحبها الحماسة الوطنية، واتجهت معها إلى وجهتها فى تلك الحقبة من نشأة المسرحية الجديدة التى نشأت فى إبان يقظة الأمة والدولة واتجاههما معًا إلى مطاولة المجد الرومانى فى مظهره القديم ومظهره الجديد، وأصبح الاستقلال بالفن فخرًا وطنيًّا ونزعة نفسية تمتزج بالأنفة وحب المعرفة.

ومن ظواهر هذه النزعة المستقلة، أنهم سلكوا فى مسرحهم المسلك الذى يوافقه ويوافقهم، ولم يتقيدوا بشروط المسرح القديم فى قواعد التأليف والتمثيل.

فقـد كان الكاتـب الإيطالـى «كستلفتر Castelvetro» قد اقتبس من كتاب أرسطو «شرط الوحدة» فى الحادث و«الوحدة» فى الزمن، وأضاف إليهما «شرط الوحدة» فى المكان.

وتناقل المترجمون إلى اللغات الأوروبية هذه الشروط ؛ فقيدوا مدة المسرحية بيوم أو ما يزيد عليه بقليل، وقيدوا موضوعها بحادث متصل الأجزاء لا ينفصل جزء منها عن سائرها دون إخلال بزبدة الرواية أو غايتها، وقيدوا مجال الحادث بمكان واحد أو بمجال تزدحم فيه الوقائع فى أضيق الحدود. ولكن هذه القواعد أُهملت فى بيئة المسـرح الإنجليزى.

وقد ذكر «ميرز» ــ فيما يقول الأستاذ العقاد ــ ذكر اسم شكسبير فريدًا بين المؤلفين الذين ضارعوا كُتّاب الرومان المشهورين فى ذلك العصر، لأنه أجاد فن المأساة وفن الملهاة ؛ وكان وحده ندًّا لبلوتس وسينكا فى هذين الفنين.

ولا شك أن المسرحية الجديدة لم تلق ــ فيما يقول ــ هذا الإقبـال العميم لمجـرد أنهـا جديـدة وحسب ؛ وإنما لقيته ووجدت الإقبال عليه من المؤلفين والممثلين والنظارة والرعاة الحماة.

على أن الإقبال العميم وإن كان كفيلاً بسعة الانتشار، إلاَّ أنه لا يكفل حتمًا أن يرتفع فن المسرحية إلى ذروته العليا فى كل العصور، وإنما يكفل هذا «عبقرية» تعطى العصر فوق ما أخذت منه وتنتمى إلى جميع الأجيال لا إلى فرد جيل. وقد كانت المسرحية بحاجة إلى مؤلف يفوق زمنه ليرتفع بها إلى ذروتها العليا، وقد وجدته يوم وجدت شكسبير.

rattia2@hotmail.com

www. ragai2009.com

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »