رجائى عطية

التعريف بشكسبير (8)

شارك الخبر مع أصدقائك

ولا تتم صورة «الإنسان شكسبير» ـ فما يضيف الأستاذ العقاد ـ إلاَّ إذا عرفنا أنه عاش فى عالم الكشوف، وأهمها الكشف عن طبيعة الإنسان فيما يعنينا من ملكات الرجل فى تصوير مئات من الرجال والنساء يمثلون الطبائع المختلفة، وبخيرها وشرها.

كما لا تتم صورة «العبقرى العالمى» بغير تلك الخطوط التى ترتسم بها سمات القرية بناحيتيها الطبيعية والاجتماعية، فإن القرية هى التى ترسم لنا من صـورة «شكسبير الإنسان» ـ ملامح السمت والحرص على السمعة وتوجيه خلائق الجد والدأب إلى غايتها فى القرية بين غايات الفن والشهرة، وقد تفسر لنا هذه الخطوط القروية خفايا السنوات المجهولة.

فلا لغز فى اختيار شكسبير بضع سنوات يشتغل فيها بالتمثيل منزويًا عن عشيرته الأولى قبل أن ترتفع مغبة الاشتغال بهذه الصناعة.

وهذا المسلك لا يحتاج إلى تفسير، فلا فكاك منه للفنان المطبوع الذى ولد قرويًّا ومات قرويًّا ولم تصرفه المدينة ولا العالم عن أحضان الطبيعة فى قريته بين مآلف صباه ومعاهد آله وعشيرته. فلم يكد يفرغ من حق المدينة والعالم عليه ؛ حتى عاد إلى قريته التى أعطته حياته الأولى، ليعطيها بقية حياته.

الفنان

من المؤكد أن صيت شكسبر، مستمد من التأليف والشعر، وأن «التمثيل» عارض قصاراه أنه مما يعد الكاتب لعمق تجسيد أبطال وشخوص رواياته، وظنى أن الأستاذ العقاد لم يكن بحاجة ـ لولا أنه العقاد ـ لأن يفرد الصفحات التى أفردها للحديث عن «شكسبير الممثل»، لا سيما وهو يسلم فى بداية ذلك الفصل بأن الراجح أن شكسبير الممثل لا يفوق نخبة الممثلين كما فاق المؤلف شكسبير نخبة المؤلفين، حتى إنه اتخذ مدخلاً لبحثه أنه لا يرى أن عنايته بالتمثيل كانت أقل من عنايته بالتأليف، مستدركًا بأن العناية بالشىء والقدرة عليه لا تتلازمان.

إلى ذلك يسلم الأستاذ العقاد بأنه لا يبدو أن شكسبير تخصص فى فن من فنون التمثيل كما اشتهر بعض زملائه بالأدوار الهزلية أو أدوار الفواجع، ولم يضارع ملوك الفكاهة أو ملوك الفاجعة.

فماذا بعد ؟

يسوق أن «جرين» حاول أن يوغر صدر الشعراء على «شكسبير الممثل» الذى يسلمون له بقدرته فى التفوق بصناعته عليهم.

وأن «أوبرى» يروى أن شكسبير «كان حسن التمثيل جدًّا».

وأن «راو Rowe» يقول إنه كان يمثل دور الطيف فى رواية هاملت وهو من أصعب الأدوار فى زمانه قبل ابتداع وسائل الإضاءة الطيفية.

وأن «أولديز Oldy) «1696 ـ 1716 م ) ـ يروى فى تعليقاته التى إقتُبست فى طبعة شكسبير سنة 1778 ـ أن شكسبير كان يمثل دور آدم فى رواية « كما تهوى».

* * *

ولعل أهم ما أبداه الأستاذ العقاد، الحصر أو البيان الذى حرره « فريب Fripp » عن الفرق الكبرى التى زارت «ستراتفورد» ـ مسقط رأس شكسبير ـ أكثر من عشرين زيارة إبان أن كان شكسبير فى بداية التكوين، وذلك منذ سنة 1569 ــ وكان فى الخامسة أو السادسة ـ إلى أن فارق القرية حوالى سنة 1587، أى وهو فى نحو السادسة والعشرين، ومن هذه الفرق فرقة «ليستر» التى عمل شكسبير فى مسرحها وكتب لها كثيرًا من رواياته.

وقد تتبع الأستاذ العقاد شيئًا غير قليل من هذه الزيارات، والدور الذى كان لجون شكسبير ــ والد وليم ــ فى استقبال تلك الفرق والاشراف على تصديق الرخص والطلبات التى تفرق على الفرق التمثيلية فى رحلاتها خارج العاصمة، وعادة القوم آنذاك فى اصطحاب أبنائهم إلى معاهد التمثيل، وربما يشاهد الطفل الصغير رواية واحدة تتكرر أمامه سنة بعد سنة، وينمو فى أيامه وينمو فى فهمها والاحساس بمعانيها ومناظرة وطرق الممثلين المختلفين فى أداء الدور الواحد، وربما تسنى له أن يشهد الدور الواحد الذى يمثله نخبة من أقطاب المسرح كل منهم بطريقته، وربما قرأ المنظر فى مختاراته المدرسية ورآه على المسرح معروضًا بأزياء المسرح وهيئات الإخراج والتحضير، وربما احتوته ردود أفعال النظارة، إلى أن المعلوم عن ممثلى ذلك العصر أنهم كانوا يخلقون فنهم على أيديهم، ويفتتحون طريقهم غير مسبوقين إليه.

ويبدو لى شخصيًّا ــ أن ذلك كان له أثره فى تنمية عقلية شكسبير الابداعية فى التأليف، أما فى التمثيل فقد أورد الأستاذ العقاد أنه أصاب حظًا ثابتًا من النجاح فى بضع سنوات، ولكنه على ما يظهر لم ينشئ لنفسه شهره ممتازة فى نوع من الأدوار كالذين تخصصوا من زملائه لتمثيل الفواجع أو الفكاهات، أو تمثيل أدوار الملوك والأحباب.

وبغير ذلك ــ فيما أرى ــ فإن قيمة شكسبير هى فيما ألفه ونظمه من شعر وروايات، ومع ذلك أنهى الأستاذ العقاد هذا الفصل بقوله إن شكسبير حضر إلى لندن وهو ممثل صغير، ثم فارقها بعد نحو عشرين سنة وهو ممثل كبير وشريك فى أكثر من دار للتمثيل.

rattia2@hotmail.com

www. ragai2009.com

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »