رجائى عطية

التعريف بشكسبير (27)

شارك الخبر مع أصدقائك

وأول اعتراض يرد إلى الذهن المحايد، ناهيك بالمتعصب لشكسبير، أن المنكرين على كثرة ما أثاروه من أسئلة ، نسوا السؤال الأهم والأولى بالتقديم.

لم يتفطنوا إلى أثر أو فضل العبقرية فى حساباتهم !

ففى الروايات «معلومات» لا تستقى من ثقافة العصر كائنًا ما كان مؤلفها، ولا كان فى طاقة أحد أن يقسم عوارض النفس هذا التقسيم الدقيق الذى نراه فى هاملت وتيمون الأثينى والملك لير والليدى ماكبث وريتشارد الثالث، وغيرها، هذا التقسيم الدقيق وقبل سنين بعيدة من تقدم علم النفس، إلاَّ أن تكون العبقرية التى لم يحسب المنكرون حسابها !

وفضلاً عن ذلك فإن هناك من المعلومات ما لا يلزم اللجوء إلى العبقرية لتفسيرها، كقدرة شكسبير على العلم بمصطلحات الرياضة والملاحة ومراسم القانون.

فرياضة الفروسية كانت خبرًا مشاعًا فى عصر اليصابات، ولم يكن الالمام بها مقصورًا على النبلاء، بل ومن المعروف أن شكسبير هاجر من بلده هربًا من تهمة التعرض للصيد فى بعض مساحاته الممنوعة، وكان لمعرفته بالخيل ؛ يعهد إليه المترددون على المسارح بخيولهم، قبل أن يشتغل بالتمثيل.

أما الملاحة فقد كان حديثها على كل لسان فى عصر المغامرات البحرية والرحلات إلى الأقطار المعلومة أو المجهولة.

ومصطلحات القانون فى روايات شكسبير لا تزيد على القسط الذى يلتقطه الذهن اليقظ من معاملاته ومن محادثاته مع الفقهاء والمسجلين، وكانت لشكسبير عقود ومشاركات، كما كانت له أسمار يستمع فيها لأرباب القضايا وفقهاء القانون ورواد المحاكم والدواوين.

وقد قيل إن كثرة الكلام على الصناعات ما عدا صناعة التمثيل التى مارسها شكسبير، دليل على أن كاتب الروايات لم يكن من الممثلين، بيد أن الأحرى ـ فيما يرى الأستاذ العقاد عن صواب ـ أن يكون ذلك دليلاً على نقيض ما اعتسفه المنكرون، فالكاتب يكتب ليمثل الصناعات والصناع جميعًا ما عدا صناعته التى يراها منه المتلقون لأعماله المسرحية كتابةً وتمثيلاً، وليس الإكثار من ذكر المسرح والتمثيل دليلاً على خبرة المؤلف بالشئون المسرحية أو قيامه بتمثيل الأدوار. وإنما هى القدرة التى فهمها أستاذ المسرح الشكسبيرى فى زمانه «سير هنرى إفرنج» ؛ الذى مثل أشهر الأدوار فى مسرحيات شكسبير، فقال إن هذه الأدوار لا يتأتى لأحدٍ أن يكتبها هذه الكتابة وينسقها هذا التنسيق ما لم يكن قد اشتغل بالتمثيل.

* * *

وردًا على تقول المنكرين عن الثقافة التى تُنال بالتعليم فى معاهده، ينوه الأستاذ العقاد إلى أن مثل هذه المعلومات ليست بالكثيرة فى مجموعة شكسبير، ويضيف أنه بالرجوع إلى الروايات والقصائد لا يرى فيها جزءًا كبيرًا أو صغيرًا يحتاج إلى معرفة باللغات القديمة أو الحديثة أوفى من النصيب الذى ناله شكسبير ومن نشأوا مثل نشأته.

وقد قال الشاعر الأديب المثقف «بن جونسون ــ Ben Johnson» ــ معاصر شكسبير ؛ إن لغته اللاتينية كانت قليلة ولغته الإغريقية أقل منها، ولكنه موفور الحظ من لغة الطبيعة، وقد عرف بن جونسون معاصره شكسبير معرفة الزملاء ولم يسرف فى الثناء عليه، بل لعله إلى القصد أدنى منه إلى السرف حين وصف علمه باللغتين اللاتينية والإغريقية، ولكن «توماس فولر ــ Fuller» الشاعر المعاصر لشكسبير (1608 ــ 1661 م) يقول فى تحيته له: «إنى لا أنحل الطبيعة كل فضلك، لأن الشاعر يُصنع كمل يُولد، وهكذا كنت أنت أيها الكريم شكسبير».

ومن معاصرى شكسبير من الشعراء الأدباء «ريتشارد بارنفلد ــ Barnfield» ( 1574 ــ 1627 م) الذى كان يُعجب به ويحاكيه، ويقول عنه إنه سيُخَلد كما خُلد الشعراء اللاتين.

أما اللغات الحديثة، فإن مشكلتها أيسر ــ فيما يقول الأستاذ العقاد ــ من مشكلة اللغتين القديمتين، لأن الكلمات الفرنسية أو الإسبانية أو الإيطالية التى جاءت عرضًا على ألسنة بعض شخوصة ــ لا تزيد على ما يعلمه عامة أبناء عصره من تلك اللغات.

* * *

ويبدو أن المناظرة بين الفريقين قد تحولت إلى سباق فى البحث عن المحاسن والأخطاء. كل يبغى تأييد ما يرومه، فكان من المفارقات أن المنكرين يبحثون عن المحاسن لينكروها عليه، والمؤيدين يبحثون عن الأخطاء لنفى الشبهة عنه.

ولهذا كشف المعجبون بشكسبير ما لم يكشفه منكروه من أخطائه وعيوبه، ولكنها أخطاء لا تخلو من الخطأ فى حسابها، وذلك يبين من تمحيص المآخذ أو الأخطاء المظنونة، بل وقد يكون الخطأ مما لا يخفى على المؤلف، كذكر «المدفع» قبل عصره، ولكن على ذلك جرت عادة الفنانين من المصورين والمسرحيين الذين كانوا يستبيحون فى عصر النهضة المخالفة فى سبيل تجميل الصورة أو قدر التأثير فى المناظر المسرحية.

rattia2@hotmail.com

www. ragai2009.com

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »