رجائى عطية

التعريف بشكسبير (13)

شارك الخبر مع أصدقائك

وأول شعر قصصى نظمه شكسبير، فيما يقول الأستاذ العقاد، أسطورة فينوس وأدونيس أو ملكة الغرام ورب الجمال والشباب. اقتبسها من كتاب أطوار الحب للشاعر الرومانى «أوفيد»، وقال عنها فى تقديمها إنها باكورة ابتداعه، ونشرها فى عام 1593، ولكنها فى تقدير بعض النقاد نظمت قبل ذلك بست أو سبع سنوات، وبدأها وهو فى قريته أو قريب العهد بالهجرة منها، لأنها تنضح بأنداء الريف وترف فى ظلاله، ويرجح هذا الرأى أن ناشرها «ريتشارد فيلد» من أبناء ذات قرية ستراتفورد، وقد راجت القصة رواجًا فاق تقدير الناشر والشاعر، وأعيد طبعها نحو عشر مرات فى عشر سنوات، وكانت من أسباب شهرة شكسبير فى عالم التمثيل.

ومن يقرأ القصة اليوم فيما يقول الأستاذ العقاد لا يفتقد فيها لمحة من ملامح شكسبير فى مسرحياته التى كتبها نثرًا ونظمًا إلى مختتم حياته الأدبية، ففيها عاداته فى تحميل العبارة غاية ما تطيق من معانيها وأشكالها، وفيها شواهد الولع بالنقائض والأضداد، وفيها آيات القدرة على تصوير الشخصيات وتدبير المواقف والمفاجآت، وفيها عبرته الغالبة على جميع العبر فى روايات المأساة والملهاة : وهى الحذر من الجماح والاستغراق والإنذار بسوء العاقبة، لأنها موكلة أبدًا باللجاجة فى الأهواء.

فالقصة شكسبيرية فى مزاجها لا تختلف فيها سمات الشاعر إلاَّ كما تختلف ملامح الصبا والكهولة. ولا ينسى القارئ فى أشد حالات الاسترسال مع القصة أنه حيال عمل محكوم، وأن وراء الأهواء إشرافًا موزونًا، يلمسه القارئ فى الحوار ويلمسه فى النتيجة التى تنتهى إليها القصة، وهى فجيعة فينوس فى غرامها لأنها أغرقت فى ملاحقة أدونيس حتى هلك فى مطاردة السباع.

وقد أهدى شكسبير قصته المنظومة إلى اللورد سوثامبتون الذى كان يناهز العشرين حين أهداها إليه، وكان اللورد فى ذلك العصر نادرة من نوادر الذكاء والتفوق والجاه والجمال، وحصل على إجازة أستاذ فى الآداب وهو فى العشرين، وكتب اسمه بين ذوى الألقاب فى الحاشية الملكية وهو دون العاشرة، وملك زمانه بين فتننة المال والجمال وغرور السلطة وغرور النبوغ، على المثال الذى جعله بطلاً من أبطال شكسبير فى مسرح الحياة.

بعد سنة أهداه شكسبير قصته الشعرية الثانية، وكان مدارها كالقصة الأولى على لجاجة الحب ولكن من جانب الرجل هذه المرة، وموضوعها هى الأخرى مقتبس من أشعار أوفيد.

وكانت هذه القصة الثانية عن اغتصاب لوكريس زوجة كولاثيموس من كبار نبلاء الرومان، وكان المغتصب «تاركوين» ابن ملك الرومان يهيم بها ويلاحقها على غير جدوى، ومما زاده هيامًا بها أنها اشتهرت بالعفة كما اشتهرت بالجمال، وقد تحدث قادة الرومان يومًا فى معسكرهم فذكروا عفة نسائهم ووفاءهن لهم فى غيبتهم، وأرسلوا إلى المدينة من يمتحن هذه العفة فوجدوا النساء جميعا يرقصن ويلهون بالسمر والمنادمة، إلاَّ لوكريس سيدة الجمال بينهم فإنهم وجدوها فى دارها تشتغل بمغزلها إلى الهزيع الأخير من الليل، فجن جنون
«تاركوين» وعز عليه أن تمتنع عليه امرأة من نساء المدينة اللاهية وهو صاحب الغزوات فى ساحة الحب وساحة الحرب، وخالف إليها زوجها مع الليل فهددها بالفضيحة وأقسم ليقتلن عبدًا ويلقيه إلى جانبها على فراشها، فلم يرعها التهديد ولم يرجع عنها حتى اغتصبها عنوة وعاد من حيث أتى، وأصبحت لوكريس فى ثياب الحداد تأخذ على ولاتها العهد أن يقتصوا لها، ثم بخعت نفسها وخرج زوجها يطوف المدينة بجثتها ويستعدى الرعية على رعاتها، فثارت ثائرة المدينة على الملك وأسرته، ولم تهدأ هذه الثائرة إلاَّ بإجلاء البيت المالك كله عن عرشه، وإقامة الحكومة الجمهورية.


هذا والقصتنان المنظومتان نفحتان من روح واحدة وطرازان فى التعبير من نسج واحد، وإن كانت الثانية أجود وأنضج وأكثر اتقانًا من الأولى.


ولشكسبير فى غير المسرح والقصة مقطوعات كثيرة على وزن الموشحات، نظمت فى أغراض الشعر الغنائى، ومن ثم فهى أدل على نفس الشاعر ودخائل طويته وأصدقها تعبيرًا عن حبه وعطفه. ويبلغ عدد هذه المقطوعات 154 موشحا نظمت فى ست سنوات ما بين سنتى 1592، 1598.

والخطاب فى أكثر هذه الموشحات موجه إلى شاب مفرط الجمال ينصح له الشاعر أن يحتفظ بجماله وأن يبادر إلى تخليده فى عقبه، ويلومه أحيانًا لأنه استغوى بجماله عشيقة الشاعر، ويشير فى بعض الموشحات إلى عشيقة لعوب يسميها «السيدة السمراء» وإلى شاعر منافس يؤثره ذلك الشاب الجميل برعايته، ويقول الشاعر إنه يستحق منه أن يعنى بشعره لحبه وإعجابه إن قرأ شعر الآخرين لبلاغته وإتقانه. ثم تختم الموشحات بمقطوعتين إغريقيتين عن «كوبيد» إله الحب الصغير لم تثبت نسبتهما إلى شكسبير.

وتكاد الآراء تتفق على أن اللورد ساثوبتون هو عنوان الفتى الموصوف أو المخاطب فى أكثر هذه الموشحات، ويستخلصون من ذلك أن اللورد صديق شكسبير وبطله على مسرح الحياة هو موحيها وملهمها ؛ الذى احتفى بقصص الشاعر وشجعه بالإصغاء إلى أغانيه ومنظوماته.

rattia2@hotmail.com
www. ragai2009.com

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »