حازم شريف

التسالي … «قلــــبت بغـــــم»

شارك الخبر مع أصدقائك

حازم شريف :
 
أعترف بأنني قد استمتعت كثيرا بمتابعة المشهد السياسي خلال الأشهر الماضية و حتي ما قبل إعلان نتائج المرحلة الأولي من الأنتخابات النيابية الأسبوع الماضي .
 

فبعد عدة سنوات من الملل، نجح الحزب الوطني في  ثوبه المختلط الجديد ـ ما بين حرس قديم و جديد ـ في بث أجواء من المرح، انتشلتني انتشالا  من  دوائر الرتابة التي كان قد اغرقنا الحزب نفسه فيها بثوبه القديم  قبل الدخول في عهد ما يسمي الإصلاح السياسي .
 
فإذا كان كتاب الكوميديا يرهقون  أنفسهم  دوما في البحث  عن مفارقات يوقعون فيها أبطالهم ” عمدا “، يتركونهم بعدها يتحركون في تلقائية، أملين في انتزاع ضحكات الجماهير …فإن  كتاب سيناريو الإصلاح في الحزب قد أوقعوا كوادرهم ـ من غير عمد ـ في العديد من المتناقضات،  اسفرت محاولاتهم لحلها علي ارض الواقع عن تفجر طاقاتهم الإبداعية في مجال الكوميديا الارتجالية  من حيث يظنون أنهم يبدعون في مجال السياسة .
 
فمن شعار الاستمرار من أجل الاستقرار، إلي منعطف الاصلاح من أجل الاستمرار،  تولدت المفارقات الصاخبة .
 
ـ رغبة معلنة في إصلاح ديمقراطي تصطدم بنية واضحة مبيتة علي عدم تداول السلطة .
 
ـ شعارات فضفاضة حول حرية اعلامية يحرسها انكشارية من الصحفيين و المخبرين علي أتم استعداد للمزايدة و التزيين و التزوير والتشهير والقتل المعنوي في سبيل إثبات الولاء والتشبث بمكاسبهم و جني المزيد من الأرباح.
 
ـ تأكيد علي ضرورة الالتزام الحزبي و الوفاء للبرامج  يسحقه سجل طويل من الالتحاق بالحزب  علي أساس تحقيق مصالح شخصية و الولاء لشلل و أفراد بعينها.
 
ـ نية ما في إجراء انتخابات أكثر نزاهة، يقابلها نهم أعضاء في الفوز بأي وسيلة  بأكبرعدد من المقاعد لتحقيق مآرب خاصة .
 
ـ محاولات علي استحياء لإقرار مبدأ عدم استخدام الدين في السياسة، و تجاهل تام لاعلان صريح لعلمانية الدولة!
 
ـ و أخيرا و ليس آخرا،  التناقض الرئيسي متمثلا في الصراع الواضح مابين الحرسين القديم و الجديد، و الإصرار في نفس الوقت علي نفي الصراع في وسائل الاعلام !
 
في ظل ذلك كله تنشأ فرص عظمي للتسلي و التسرية .فقط أجلس ـ كما أفعل يوميا ـ علي مكتبك، طالع الصحف و المجلات، و تابع ما تعج به الفضائيات و القنوات الأرضية.
 
مؤكد مثلا إنك لن تستطيع أن تمنع نفسك من الضحك و أنت تطالع تصريحا في صدر الصفحة الأولي لجريدة حكومية لقيادي من الحرس القديم يقول قبل أيام من انتخابات الاعادة للمرحلة الأ ولي  : إن الحزب يدرس موقفه من “أبنائه المرشحين المستقلين” . و هو مصطلح يكفل للحزب الوطني دخول تاريخ النظم السياسية من باب الطرائف و العجائب، بإعتباره أول ـ و غالبا سيكون آخر ـ من صكه منذ تعرف الانسان علي مفهوم الدولة القطرية و الأحزاب السياسية .
 
فنحن لم نسمع من قبل عن مرشحين لحزب العمال البريطاني ينافسون بعضهم البعض في نفس الدائرة أولهما عمالي ” أوريجنال ” و الثاني عمالي ” مستقل “، فالحزب أي حزب هو من يحدد مرشحه و علي باقي الأعضاء الالتزام بدعمه، أو الانشقاق أو الفصل من الحزب.
 
و لو خرج مسئول حزبي هناك علي جماهير الناخبين يخبرهم أن حزبه له مرشحان أحدهما رسمي والثاني من أبنائه المستقلين، لما كلفت الجماهير أنفسها حتي عناء قذفه بالطماطم ، لأنهم غالبا ما سيعتبرونه في عداد المختلين عقليا .
 
و لآن الكوميديا قد بلغت مرحلة العبث، كان من الضروري أن نفاجئ بأحد أبرز دعاة الاصلاح و أكثرهم احتراما للعقل عامة و لعقول الأخرين بصفة خاصة ـ أو هذا ماكنت أعتقده ـ هو الدكتور محمود محيي الدين يردد كلاما شبيها من خلال برنامج علي إحدي الفضائيات العربية . و كم كان المشهد دالا و مأساويا : محيي الدين يشخص ببصره في سقف الاستديو ـ بدلا من الأفق البعيد ـ متخذا وضع “الـمُُُنظّـر”، بينما هو يشرح وجهة نظر الحزب في ضرورة التمييز في التعامل بين من انشق عن الحزب و انضم لحزب آخر ـ أرجو أن يدلني أحد علي حالة واحدة ـ و بين من لم ينشق و رشح نفسه أمام زميله، و لكن علي مبادئ الحزب !
 
و من الطريف في هذا المجال إنك لوسألت أيا من مرشحي  الحزب عن ماهية هذه المبادئ فإنك ستحصل علي إجابات مختلفة بعدد من تقوم بسؤالهم ؟! بما ينسف فكرة وجود الحزب كحزب من الأساس .
 
و يترتب علي ذلك مشكلة عملية و نظرية أيضا، فأنت إذا التقيت مع عضو في حزب التجمع ، تستطيع أن تصنفه و أنت مستريح البال و الخاطر في خانة اليسار، أما إذا كان من الوفد فستضعه مبدئيا في خانة الليبراليين، و هكذا مع عضو الأخوان المسلمين , ستلقي به علي الفور في جانب الاسلاميين، أم إذا داهمك عضو في الحزب الوطني، فإن جميع الاحتمالات مفتوحة، من اليسار إلي اليمين، و من انتهازيين يتصنعون ممارسة السياسة، إلي سياسيين صالحين أو انتهازيين، مرورا بتكنوقراط حَسِني النية لا علاقة لهم بالسياسة بقدر ما يعتبرون دخولهم إلي الحزب هو الوسيلة الوحيدة لمساهماتهم في الاصلاح .
 
ثم يأتي من يقول لك إنهم يترشحون علي مبادئ الحزب ؟!
 
و من منولوج ” أبناء الحزب المستقلين ” إلي فاصل من  الاسكتشات و المشاهد المضحكة و الماساوية أحيانا، كنجاح الدكتورة أمال عثمان  أمام مرشح الاخوان في دائرة الدقي، و إسقاط حسام بدراوي مرشح الحزب الوطني أمام هشام مصطفي خليل ابن الحزب المستقل في دائرة قصر النيل، و إعلان فوز مرشح وطني و اخر إخواني في دائرة مدينة نصر بعد إعادة فرز الأصوات وادعاء الحكومة والحزب الحياد الاعلامي رغم سفور الانحياز الواضح و غيرها.
 
إلا أنه يبدو أن التسالي كما عودتنا أحيانا ” تقلب بغم ”  فقد اسفرت النتيجة النهائية للمرحلة الأولي عن حصول الاخوان المسلمين علي 34 مقعدا في حين أخفقت قوي المعارضة المدنية في الحصول سوي علي عدد محدود من المقاعد، ومن المنتظر أن يحصد الإخوان في المرحلتين الثانية والثالثة عددا من المقاعد قد يرفع حصتهم النهائية إلي ما يقرب من 100 مقعد، هذا ما لم تصعد ” القواعد الشعبية ” للحزب الوطني من عمليات التزوير لصالح مرشحي الحزب.
 
و لن استرسل في شرح الأسباب والظروف التي أدت بنا في النهاية إلي هذا الوضع الحرج بين مقصلتي الوطني و الاخوان والتي تفضل الكثير من الزملاء بشرحها في الأيام الماضية، إلا انني سأناشد جميع القوي المدنية في هذا المجتمع بما فيها القوي المعارضة و كوادر الوطني «الأصلية والمستقلة»، بضرورة اتخاذ منحي اكثر جدية في التعامل مع مسألة الاصلاح السياسي و الاكتفاء بما سعدنا به جميعا من تسالي، و يتطلب ذلك اتخاذ مجموعة من الاجراءات :
 
أولا : إطلاق حرية تأسيس الأحزاب المدنية لكافة القوي السياسية بمن فيها جماعة الأخوان المسلمين، بما يتيح للجميع التنافس من خلال أفكار وبرامج سياسية.
 
ثانيا: إصدار تشريع يحظر استخدام الشعارات الدينية في ممارسة العمل السياسي بكافة صوره، و يجرم كل من يحرض علي الغير من خلال اتهامهم بالكفر . و هو أمر مشروع تماما، بل تناظره تشريعات تستخدمها دول كثيرة ضد كل من يحرض علي العنصرية أو الطائفية وغيرها.
 
ثالثا : منح الأحزاب الحرية الكاملة للتعبير عن أفكارها و برامجها عبر إقامة المؤتمرات ووسائل الاعلام المختلفة . و بما يساهم في إحداث حراك سياسي حقيقي و جذب شريحة أكبر من المواطنين للمشاركة الحقيقية.
 
رابعا :البدء فورا في أعقاب انتهاء الانتخابات البرلمانية الحالية في تنقية الجداول الانتخابية، وضم الملايين ممن لديهم حق التصويت وليست لديهم بطاقات انتخابية ” أتوماتيكيا ” إلي هذه الجداول . و سيضمن هذا التخفيف من تأثير كل من موظفي شركات القطاع العام و بلطجية الوطني من ناحية و القلة المنظمة للإخوان من ناحية اخري علي نتائج الانتخابات.
 
و أرجو ان يتم ذلك بسرعة خاصة أن المرشد العام للإخوان المسلمين محمد مهدي عاكف أكد في تصريح له لجريدة المصري اليوم الخميس الماضي، أنه علي استعداد للدخول في حكومة ائتلافية مع الحزب الوطني عقب انتهاء الانتخابات النيابية! وأخشي إن استمر الحال السياسي، كما هو عليه من  سيئ إلي أسوأ، أن تشهد الانتخابات القادمة تصريحا لأمين الحزب الوطني يعلن فيه في خشوع عن استعداده للدخول في ائتلاف مع حكومة يتمتع فيها الإخوان بالأغلبية، وساعتها أقر أنني سأفتقد ما يوفره لنا الحزب الوطني حاليا  من متعة و تسالي.

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »