محمد بكري

#التركة_المصرية

شارك الخبر مع أصدقائك

التركة هى ما تُرك لنا ونرثه أو ما سنتركه ونورّثه. عادة تضم التركة أصولا وديونا وحقوقا والتزامات، بل وأحيانا مفاهيم وعلاقات وسمعة وعداوات ومصالح تمتد عصورا! وكما تطبق التركة على الأشخاص، فكذلك المجتمع والدولة! قد نفهم ذلك عندما نراجع إرثنا عن قدماء المصريين وبزوغ علاقة فرعون وموسى.. حتى الآن! أو إرث الجمهورية المصرية عن المملكة المصرية وبزوغ عهود متجددة.. حتى الآن! أو إرث الأسلمة المصرية عن الإخوان المسلمين.. وتدهوره حتى الآن!

بل هناك تركة ثورة 1952، ثم نكسة 67، ثم انتصار 73، ثم انفتاح السبعينات، ثم التركة المباركية، إلى أن وصلنا لتركة 25 يناير، ثم معايشتنا حياة ثورة 30/6 وربطها بالأمل حتى الآن.

تتعدد عناصر التركة المصرية بهذا المفهوم لتشمل الجماد والفكر والمال والعلاقات، وليس المقام هنا لاستعراض العناصر أو تصفية التركة، لأنها تركة بعمر وجود مصر ذاتها، لا تنتهى أو تُصفى ولكن يتوالى عليها مأمورو التركات وحراسها ومنتفعوها، لمحاولة أفضل إدارة أو تعظيم للأصول أو دفع الديون أو تراكمها أو تحصيل الحقوق أو تسريبها، المشكلة تكون عند تخصيص الاهتمام بعنصر دون آخر، بما يؤثر فى النهاية على قيمة التركة ذاتها عند انتقالها لمستحقيها الجدد أو الجيل الجديد التالي.

تذخر التركة المصرية بعناصر طبيعية غير مكررة، سواء بالموقع أو المناخ أو الموارد وهى أصول ربانية مجانية، لم تنل حظها كاملا بالرعاية حتى الآن! أيضا تذخر بتاريخ ماسى بآثاره وشواهده نجاهد لمنحه حقه للآن! كذلك تزخر بزخم فكرى وثقافى وفنى يتجرف تدريجيا عند مرحلة معينة!

اقرأ أيضا  خواطر مواطن مهموم (107)

غير أن التركة المصرية تزدحم بعناصر سلبية متعددة وصلت لنا من السابقين وأكملنا عليها واستحدثنا معها. من أهم هذه العناصر حاليا هى الشخصية المصرية خاصة بعد 25 يناير، والشخصية المصرية فى عمومها ترتبط بالوعى الجمعى لأفراد المجتمع تجاه ظروفه وقضاياه، وهو الوعى المشكل من التعليم والإعلام والدين، ضمن تركة قديمة تتحلل تدريجيا، كما لو كانت بقصد! يغيب عن مثلث الوعى المصرى فى التعليم والإعلام والدين، منظومة الإتقان المكونة من التلمذة والتدريب، ثم الممارسة والإبداع، ثم تجويد المعرفة والخبرة والتركيز فيكون الإتقان.

أكثر مثالب مثلث الوعى تأتى من تصور الإتقان فى كل مرحلة بذاتها، بمعنى بدء التدرب والتلمذة والتعمق لدرجة إتقان الخضوع! أو الاكتفاء بالممارسة والإبداع وإتقان الحرفية! لم يتجاوز التعليم والإعلام والممارسة الدينية منظومة الإتقان وقبعوا فى مراحله الأولى فقط، والنتيجة شخصية مصرية ترث أحداثا فاصلة بدون تفسير، قيما مهترئة بلا تصحيح، معلومات متوترة بغير تعليم!

عندما أشرت لأن التركات تنتقل للأشخاص والمجتمع والدولة أيضا، قصدت أن عناصر تركة مصر تنتقل لرئيسها وإدارته ومنظومة حكمه. وإذا كانت الشخصية المصرية والوعى الجمعى المصرى من عناصر التركة المنتقلة للإدارة المصرية بعد 30/6/2013، فمن الواجب اعتبار هذا الزخم من الضعف والتشوش والتشتت المتهرئ فيهما، ومن الأوجب تدبر أن هذه العوارض من تأثيرات مثلث الوعى بالتعليم والإعلام والدين. فهناك فارق كبير بين وجود شعب نبحث له عن مكان فى التاريخ، وبين تاريخ يصنعه شعب! فهل المصريون الورثة الآن لتركة الجمهورية المصرية منذ 1952، سيصنعون تاريخا جديدا يعالج تركة علاقة فرعون بآل موسى مثلا؟ أو مطامعهم فى ماء النيل منذ تيودور هرتزل، ثم مشروع إليشع كالى 1974، ثم مفاوضات مدريد 1991، ثم دورهم فى سد النهضة حتى الآن؟

اقرأ أيضا  إسرائيل ما بين الحروب العدمية.. والسلام البديل المراوغ

نجحت تركة موسى حتى الآن لعدة أسباب أهمها وضع مشروع وجود استراتيجي، ثم التخديم عليه ببروتوكولات الحكماء، ثم بتعاقب كل الإدارات الحاكمة لتنفيذ حصتها من المشروع. الوعى الجمعى لورثة تركتهم موجه وموظف وخادم للمشروع الاستراتيجي، بآليات وأدوات وتقنيات تتطور مع الزمن بداية من العداوة حتى تطويرها بالتطبيع والتحالف، وبرغم فقر وجدب تركتهم، إلا أنهم أساتذة عناصر التعليم والإعلام والدين، المثلث الماسى الذى حول تركتهم لرقعة شطرنج يحركون عليها بيادق العالم من حولهم!

من هنا يمكن مقارنة مثلث الوعى الجمعى فى تركتى فرعون وآل موسي، وأثره فى ورثة هؤلاء وهؤلاء! دورات التاريخ لا تنتهى وهناك من البلاد من الثوابت وأخرى من المتغيرات، ودوما مصر كانت وستستمر من الثوابت الكبيرة، ولكن تركتها كبيرة أيضا ومسؤوليتها أكبر، والأكبر منهما إفاقة الورثة، الشعب، الجيل الحالي! فهو وحده سيكون القادر على استعادة الفرعون بداخله، والسبيل الوحيد لذلك هو استعدال مثلث وعيه والتوقف فورا عن تجريف فكره وقيمه وثقافته.

اقرأ أيضا  من تراب الطريق (1188)

ستنجح الإدارة المصرية بتوريث مشاريع عملاقة وبنية تحتية محدثة ومرافق مجددة ومدن مُعمرة وطفرة حجرية حقيقية ستضيف لإرث القدماء، ولكن هل ستنجح فى ترك شعب سوى اجتماعيا، فكر تجدد بحرية موضوعية، ثقافة مُنقذة من النحر، فن يعود من الموات، تعليم أساسه شخصية المعرفة والبحث وليس اجتهادات النجاح، دين وسطى معتدل مُصحح غير موهّب أو متحزب؟

إذا أردنا للتركة المصرية أن تسدد ديونها وتسقط التزاماتها وتعظم أصولها، فمن الظلم إلقاء التبعة والمسؤولية على الإدارة المصرية الحالية وحدها، من الظلم إدانة الوعى الجمعى المصرى كاملا، من الظلم اعتبار وصولنا لسواد نهاية النفق، من الظلم احتراف التشكيك والتخوين والإضعاف والتهديد والنخر فى محاولات الإصلاح. الحياة الكريمة تحتاج لحياة الفكر أكثر من حياة الجسد، لكرامة التعلم مع كرامة الحجر، لحياة كريمة فى الاختلاف بوجودنا معا. التركة المصرية الآن مازالت قابلة لتدارك عناصرها، لتعظيم فائدتها، لتعديل مثلثات وعيها واقتصادها.

عمر الدول لا يحسب بالسنين أو القرون ولكن بقدرتها على البقاء ونجاح مشروع وجودها، ومصر تحتاج سرعة اللحاق بحاضر سيكون تركة، لورثة يجب أن يستحقوا ما تكابده حاليا.

* محامى وكاتب مصرى

‏bakriway@gmail.com

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »