شريف عطية

التحية للبحرين

شارك الخبر مع أصدقائك

شريف عطية 
 
صمت الاستيعاب، هو رد الفعل الطبيعي للمفاجأة الديمقراطية التي أتت للعالم العربي من البحرين أول أمس، حين أسفرت نتائج الانتخابات النيابية لدورتها الأولي 24 أكتوبر الحالي.. عن حصد جميع المعارضين من الشيعة والمستقلين.. لما مجموعه 18 مقعداً من أصل 40 هو إجمالي مجلس النواب، فيما ستنظم دورة ثانية بعد باكر 30 الحالي للبت في مصير المقاعد المتبقية.
 
إلي ذلك السياق، جرت في البحرين أول انتخابات تشريعية، علي ندرتها في منطقة الخليج، تفوز فيها المعارضة بالأغلبية، مثلما شهدت بداية عصر البترول في جزيرة العرب مطلع القرن العشرين، كما كانت هي الدولة الأولي من إمارات ومشيخات الخليج.. التي تحولت منذ نحو ثلاثة أعوام إلي »ملكية«.. في إطار النهج الإصلاحي الذي تسلكه الدولة.. للتحديث والتطور، وهو البرنامج الذي يتجاوب مع إنجازه البحرانيون.. إذ تدفق نحو %68 منهم إلي صناديق الاقتراع للإدلاء بأصواتهم في ثالث انتخابات تشريعية تشهدها البلاد منذ العام 2002، ذلك دون أن يحملوا شعارات مذهبية أو طائفية أثناء الحملة الانتخابية التي جرت، بحسب كبار المسئولين، وفقاً لرؤية الشعب البحريني لما جاء بميثاق العمل الوطني.. الذي دخلت به البلاد مرحلة جديدة.
 
علي صعيد مواز، فإن نجاح هذه العملية الديمقراطية  الرائدة، إن لم تجهض التجربة قبل اكتمالها، لن تقتصر آثارها المرتقبة علي الوضع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي.. والأمني علي دولة البحرين فحسب، إنما ستمتد من العاصمة »المنامة« لتنشر إيجابياتها، عاجلاً أو آجلاً، إلي سائر بلدان شبه الجزيرة العربية.. الغارقة حتي الآن في قبليتها التعصبية، وأيضاً علي امتداد العالم العربي بأسره، سواء لمحاكاة نزاهة العملية الديمقراطية، أو في الاحتذاء بتجارب البحرين السباقة لإعطاء المرأة حق الترقي في العمل إلي أعلي المناصب.. وبحق الاختيار في الزواج، وبحرية النقد للمدونات، وبعدم نفي الآخر أو تهميشه، وما إلي ذلك من احترام المسائل الحقوقية والإنسانية.
 
وعلي خلفية التجربة البحرينية الرائدة، يمكن القول بأن أي عملية لاستكشاف الخليج الذي أصبح، لأسبابه، إحدي المناطق الحيوية لمجريات العمل العربي وآفاقه المستقبلية، لابد أن يكون التقدم إليها عبر البحرين.. التي تبدو، لمقوماتها الخاصة، كما لو كانت أشبه بقاعة شاسعة للأوبرا.. تنتظر عرض إحدي المسرحيات علي خشبتها التي لا تتجاوز 225 ميلاً مربعاً، إذ هي، كمصر، هبة ينابيع المياه العذبة التي جعلت من هذه الجزيرة وسط الساحل القاحل، ميناء طبيعياً.. حوّلها من ثم إلي مركز تجاري للوصول إلي أسواق شرقي الجزيرة العربية قبل تنمية موانئ السعودية ودبي وغيرهما، ولتصبح منذ قرون منطقة جذب للعرب والإيرانيين علي السواء، ولتتمكن العائلة المتوارثة علي حكمها منذ 1782 من التلاعب بالطائفتين ببراعة ودهاء، واستخدامهما.. رافعة راية من يعد البحرين بالخير الأوفر، ذلك باعتبار أن فترة استقرار السكان، رغم احتفاظهم بهوياتهم الثقافية والمذهبية، علي مدي ثلاثة أجيال، هي مدّة كافية كي يصبحوا مواطنين من أهل البلد.
 
إلي هذه السياقات المتنوعة، تقدم البحرين، رغم صغرمساحتها، تجاربها للعالم العربي.. في الديمقراطية، وفي كيفية احتواء وتوظيف التباينات المذهبية الطائفية لصالح الوطن، دون طرد للآخر كما في العراق، أو الاقتتال فيما بينهم كما في لبنان والسودان، أو لادعاء الاستضافة المضحكة من أحدهم للآخر كما في مصر.
 
لذلك كله، ولغيره من آفاق الدروس المرتقبة، كل التحية للبحرين.
 

شارك الخبر مع أصدقائك