شريف عطية

التجريب العالمي في الهند.. بين اللاليبرالية والالتزام الديمقراطي

شارك الخبر مع أصدقائك

نقطة نظام بقلم شريف عطية

قد لا يكون من المناسب، ومنطقتنا تحيط بها المشاكل من كل حدب وصوب، الحديث عن الانتخابات التشريعية التى تجرى فى الهند هذه الأيام، ولسبعة أسابيع تالية، إلا كون قضية الديمقراطية والحريات التى باتت متغيراتها محل اهتمام العالم.. قد قطعت فيها الهند كدولة من دول العالم الثالث شوطاً طويلاً منذ استقلالها 1947.. إلى أن أصبحت اليوم، وبسببها، فى مصاف الدول الكبرى فى العالم، ما يستوجب متابعة تجربتها الديمقراطية، خاصة وأن العالم الذى «قيد التشكل» مجدداً، يولى مسألة الحريات السياسية والإنسانية أولوية التمايز بين أنماطها وقيمها المختلفة، سواء فى دول الشرق أو الغرب.

وفيما بين الديمقراطية الليبرالية أو الموجهة (اللا ليبرالية) أو الشعبوية.. أو وما إلى ذلك من صياغات وبدائل للديمقراطية الغربية التى تسيدت العالم فى القرنين الماضيين، وفى ضوء ما أفرزته خلال هذه الحقبة من إشكاليات تتصل بالمشاركة الشعبية فى الحكم.. إذ هى باتت جديرة بالمراجعة والتمحيص.

وأحسب أن الهند تقدم نموذجاً يحتذى به على نطاق واسع عند مناقشة العالم لمستقبل الديمقراطية وأنماطها، خاصة فى ضوء اتباع الهند لسياسة عدم الانحياز، ولنهج الدبلوماسية التوافقية، ما أتاح لها رغم تعقد وتنوع أوضاعها الداخلية (…)، شغل مركز رئيسى فى السياسة الدولية.. تتجاوز أهميته مرتبتها المتواضعة التى كانت فى بداية النصف الثانى من القرن العشرين، وبحيث أصبح للتجربة الديمقراطية الهندية مغزاها البعيد بين دول المعسكرين الشرقى والغربي، كما لها أصداؤها فى كل بقعة من بقاع أرجاء المعمورة.

إلى ذلك، يتوجه ملايين الناخبين الهنود للإدلاء بأصواتهم من 11/ 4 الحالى إلى 23 مايو المقبل، فى أكبر ممارسة للديمقراطية على مستوى العالم.. فيما بين الحزب الهندوسى القومى (مودى) وحزب المؤتمر التاريخى ذى الميول اليسارية (راءول غاندي)، كأقوى حزبين متنافسين بين مئات الأحزاب الأخرى فى هذا البلد المتنوع ثقافياً وجغرافياً، إذ يعتبر الحزب الهندوسى الأوفر حظاً للحصول على ولاية ثانية، خاصة بعد نجاحه فى الانتخابات الإقليمية، إلا إذا اتجهت الهند إلى تحجيم هيمنة القوميين الهندوس فى مجتمع يسوده الاستقطاب السياسي، ومن ثم الاتجاه إلى اختيار التناوب الحكومى للسلطة، خاصة مع صعود تأثير الأصوات الشبابية لإجمالى 84 مليون شاب أصبح لهم حق التصويت للمرة الأولى، يملئوهم الحماس لانتخاب زعيم يمكنه قيادة البلاد، وليصبحوا من ثم جزءاً من نظام ديمقراطى يشاركون فى صياغة واختيار بدائله.

وفى هذا السياق الذى يشهد تراجع الديمقراطية فى العالم.. تزدهر قضيتها فى الهند، خاصة فى مواجهة جارتيها اللدودتين، سواء من صين الزعيم الأوحد فى إطار الديمقراطية الموجهة، أو الباكستان (النووية) المعرضة لتوالى الانقلابات العسكرية لأسبابها.

وأما فى الهند.. فقد أصبح الناخبون أكثر التزاماً تجاه التصويت الانتخابى أكثر من أى وقت مضي، ومع أن الديمقراطية الهندية أبعد ما تكون عن المثالية، إلا أنه لا يوجد نظام ديمقراطى خالٍ من العيوب، الأمر الذى يراه المراقبون للهند.. الأكثر تطلبا، وربما الأصعب على الصعيد اللوجستى فى العالم، والأكثر إثارة للدهشة لأى مراقب لأهمية العملية الانتخابية فى الحياة السياسية الهندية، لما تتضمنه من حشد انتخابي، ومن كلمات خطابية فى الشوارع إلى تجمعات انتخابية كبيرة لعشرات الآلاف بطبيعة الحال ما يعد حدثاً فريداً من نوعه، خاصة فى انتخابات 2019 التى بدأت بالفعل، ومن المستبعد أن تنتهى بإعلان النتائج، إذ يتم تصويرها هذا أشبه بالعام «الطحن السياسى» على مستوى البلاد، ربما كاستفتاء على موقف الهند من التجريب العالمى بين اللاليبرالية والشعبوية والالتزام الديمقراطى.

شارك الخبر مع أصدقائك