بنـــوك

البنوك الاستثمارية العالمية تخرج من‮ ‬غرف الإنعاش

خالد بدر الدين   بدأت البنوك الاستثمارية التي ظلت تعيش في غرف الانعاش طوال الشهور الأخيرة من العام الماضي تسترد عافيتها بعد مرور الربع الأول من العام الحالي، رغم أنها تحملت لمدة عامين تقريباً الكوارث الناجمة عن أزمة الائتمان وانهيار…

شارك الخبر مع أصدقائك

خالد بدر الدين
 
بدأت البنوك الاستثمارية التي ظلت تعيش في غرف الانعاش طوال الشهور الأخيرة من العام الماضي تسترد عافيتها بعد مرور الربع الأول من العام الحالي، رغم أنها تحملت لمدة عامين تقريباً الكوارث الناجمة عن أزمة الائتمان وانهيار الأسواق المالية وخسائر بمليارات الدولارات بسبب شطب القروض وتدهور قيمة الاصول.

 
جاء في صحيفة »فاينانشيال تايمز« أن البنوك الاستثمارية العالمية التي تقدم استشارات مالية للشركات وتساعدها في تعزيز الاستثمارات والمضاربة في الاوراق المالية، ستخرج من الازمة أكثر قوة بعد اختفاء العديد من البنوك المنافسة التي التهمتها الحكومات أو وقعت في أيدي المساهمين الذين لا يرحبون بأي مخاطر.
 
ومع ذلك تتعرض البنوك الاستثمارية لتهديدات من الهيئات الرقابية التي تبقي تعديل قواعدها التنظيمية، بحيث تزيد من المخصصات الاحتياطية لمواجهة أي تعثر في سداد القروض وعدم دخولها في صفقات ترميها في أحضان المخاطر، التي أدت إلي الفقاعة التي استمرت حوالي 5 سنوات ثم انفجرت فجأة. وكذلك تحجيم الحوافز والمكافآت التي كان يحصل عليها كبار المديرين بلا حساب.
 
ويؤكد المساهمون في عدد من بنوك العالم أنهم لن يتحملوا بعد الآن المكاسب الضخمة المتقلبة التي لا يفهمونها، كما أن بعض العاملين الذين يرون حالات كثيرة من الاستغناء عن زملائهم وانكماش مكافآتهم أخذوا حقائبهم وتركوا هذا المجال قبل الاستغناء عنهم أيضا.
 
ويقول روي سميث، أحد شركاء بنك جولدمان ساكس السابقين، الذي يعمل حالياً أستاذاً للمالية بكلية تجارة ستيرن بجامعة نيويورك، إن هيكل البنوك الاستثمارية تعرض لهزة عنيفة بسبب الأزمة المالية لدرجة أن عدداً قليلاً من هذه البنوك ستبقي في السوق.
 
وسوف يشهد المستقبل تعاملات مالية أقل لأن هذه البنوك الاستثمارية ستركز علي بناء العلاقات وستؤكد لعملائها أنها قادرة علي توليد مكاسب من خلال مشوراتها ذات الجودة العالية، لا سيما أن مبيعات الأسهم انهارت بشكل كبير خلال الشهور الماضية والاكتتابات توقفت تقريباً وانقطعت خطوط الائتمان ولم تعد هناك قروض خلال الربع الأول إلا بكميات بسيطة وان كان هناك انتعاش في بعض التعاملات مثل مبيعات السندات الاستثمارية.
 
وتراجعت أيضا صفقات الاندماجات والاستحواذات التي كانت مصدراً لبعض الرسوم الضخمة في إيرادات البنوك الاستثمارية ووسيلة لمنح العملاء بعض البدائل التمويلية ولكن مازالت بعض هذه الصفقات تحدث حتي الآن. لكن هناك انتعاشاً في صفقات أخري مثل شراء وبيع الأوراق المالية المرتبطة بالديون، كذلك العملات، والسلع، لدرجة ان المحللين في هذه الأسواق المالية يتوقعون أن تحقق بعض البنوك مثل »جولدمان ساكس«، و»مورجان ستانلي« في الولايات المتحدة الأمريكية، و»كريدي سويس«، و»ديوتش بنك« في أوروبا أرباحاً خلال الربع الأول من عام 2009 لتعويض الخسائر التي تكبدتها في الربع الأخير من عام 2008.
 
وستنهال الأرباح أيضا علي »بنك أوف أمريكا« الذي أنقذ »ميريل لينش« ثالث أكبر مؤسسة مالية في وول ستريت في نفس الأسبوع من سبتمبر الماضي، الذي شهد انهيار »ليمان براذرز« رابع أكبر بنك في وول ستريت.
 
وإذا كانت بعض البنوك مثل »JP مورجان تشيز« و»BNP باريبا« ستشهد أرباحاً لفصلين متتاليين، فإن بعض البنوك الأخري مثل »سيتي جروب« و»UBS السويسري« ستواصل خسائرها لعدة فصول متتالية.
 
وسظل التحديات تواجه الأسواق المالية لأن الشركات المالية التي كانت تفخر بأدائها القوي في النمو الاقتصادي تعاني الآن من الركود الحاد العالمي، حيث تحولت المضاربة في الأوراق المالية والاستثمارات الخاصة، التي كانت تحقق نسبة مرتفعة من الإيرادات إلي تعاملات خارجة عن القانون في بعض الشركات وبات من العسير تمويلها في شركات أخري.
 
ومازال الغموض يحيط بدور الحكومات والجهات الرقابية في تحديد الحصص المرتبطة برأس المال، والسيولة، ودعم القروض، وحتي الرواتب، والمكافآت لدرجة أن لاري تاب، الاستشاري المالي، يتوقع عودة تقسيم البنوك إلي استثمارية وتجارية كما كانت منذ عشر سنوات، مما يجعلها تهوي إلي أعماق الهاوية وعدم خروجها منها بالسرعة المطلوبة.
 
وانهارت رؤوس أموال البنوك الأمريكية أكثر من 1.56 تريليون دولار في يناير عام 2007 إلي حوالي 352 مليار دولار فقط مع نهاية الربع الأول من عام 2009، وكذلك الصين التي كانت صاحبة أكبر معدل نمو العام الماضي انهارت قيمة بنوكها من 667 مليار دولار إلي 525 ملياراً خلال نفس الفترة، التي تراجعت فيها أيضا رؤوس أموال البنوك اليابانية من 651 مليار دولار إلي 248 مليار دولار.
 
ولم يفلت أي بنك في معظم دول العالم من الانهيار سواء في أوروبا أو آسيا أو الأمريكتين بنسب متفاوتة تراوحت بين أكثر من %450، كما في حالة الولايات المتحدة الأمريكية إلي حوالي %50 كما في الهند وكندا وأقل من ذلك كما في اندونيسيا والمكسيك.
 
وربما لن يتمكن أحد من وضع خطة للبنوك في المستقبل وسط الأجواء القاتمة التي مازالت تخيم عليها، حيث مازالت معظم البنوك تحاول تحسين أدائها خلال الأشهر الثلاثة المقبلة، لا سيما أن تكاليف القروض مازالت ترتفع رغم أن البنوك العالمية جمعت أكثر من 900 مليار دولار من السيولة النقدية الجديدة مع نهاية العام الماضي، فإن نسب رأس المال لم تتحسن إلا بقدر طفيف جداً. لذلك من المحتمل أن تضخ الحكومات والمستثمرون المزيد من الأموال لانقاذ هذه البنوك من أزمتها الراهنة التي لم تشهد أسوأ منها منذ الحرب العالمية الثانية.
 
وتحاول الجهات الرقابية صياغة قواعد متشددة ترغم البنوك علي الاحتفاظ بمستويات مرتفعة من رأس المال ونسب عالية من السيولة النقدية ولكن هذه القواعد لم تدخل حيز التنفيذ حتي الآن.
 
وطالب بعض محافظي البنوك المركزية وصناع السياسة في الولايات المتحدة الأمريكية بفصل كامل للبنوك الاستثمارية عن بنوك التجزئة، غير أنه إذا حدث ذلك فإن البنوك العالمية ستواجه قيوداً متشددة في بعض البلاد التي تختلط فيها التعاملات البنكية فيما بينها مما يجعلها أقل جاذبية.
 
كما أن أرباح البنوك التي عليها الاحتفاظ بالمزيد من الأصول في ميزانياتها لمدة أطول ستقل ولكن أهمية الودائع كمصدر ثابت للتمويل اتضحت خلال هذه الأزمة التي اختفت فيها أيضا الأوراق المالية المبتكرة المرتبطة بالرهن العقاري، وكذلك الأدوات المالية الاخري التي شهدت رواجاً في سنوات الفقاعة والتي كانت تستخدمها البنوك لاستبعاد المخاطر عن دفاتر حساباتها وفي نفس الوقت تنال منها رسوماً مرتفعة غير أن ذلك لم يعد له وجود بعد انفجار هذه الفقاعة.
 
ويتجه العديد من البنوك الآن إلي جذب المزيد من مدخرات المواطنين في محاولة لخفض اعتمادها علي أسواق الجملة الباهظة، التي لم يعد في مقدورها أن تتوقع ما يحدث فيها بعد اندلاع الأزمات العالمية وسط الركود الحاد الذي يعيشه العالم الآن.
 
غير أن انخفاض أسعار الفائدة إلي الصفر تقريباً في معظم الدول المتقدمة يجعل البنوك تتحمل تكاليف باهظة إذا عرضت أسعاراً جذابة علي مدخرات المستهلكين، وذلك عكس الهوامش الربحية علي الرهن العقاري والقروض الأخري التي تحسنت كثيراً حيث تسعي البنوك لتقليل التكاليف.
 
ومن المحتمل أن تركز البنوك التجارية والاستثمارية علي التعامل مع الشركات والصفقات التجارية الضخمة وتقدم استشارات لعمليات الاندماجات، والاستحواذات، وشطب قيم الأوراق المالية المتعثرة، أو تخفيض قيمتها. المهم أن البنوك بعد هذه الازمة ستدخل عصراً جديداً يرتبط فيه أداؤها بالنمو الاقتصادي في الدول التي تعمل فيها، مما يجعل بعضها يحقق نتائج أفضل لأن إدارتها تتم بشكل أكثر كفاءة. لكن طالما أن ذكري الأزمة الحالية مازالت ماثلة في عيون المستثمرين والهيئات الرقابية، فإن أي بنك يحقق إيرادات أعلي من المتوسط من المحتمل أن يكون هدفاً لشكوك المراقبين وليس للمدح والثناء.

شارك الخبر مع أصدقائك