حازم شريف

البديــــــــل الثالـــــــــث!

شارك الخبر مع أصدقائك

حازم شريف :
 
أبرز ما تمخضت عنه حتي الآن نتائج انتخابات مجلس الشعب التي تجري رحاها حاليا ليس فقط الصعود الواضح لجماعة الإخوان المسلمين.. و إنما توقيعها علي شهادة عدم صلاحية لحزب السلطة “الوطني ” علي الأقل بتركيبته الآنية.
 

أظهرت الأحداث جليا أننا أمام حزب متناحر، يدعو لاصلاح سياسي، دون أن تكون لديه القدرة علي تهذيب وإصلاح نفسه من الداخل، يتحدث قادته عن ضرورة المشاركة السياسية  ويعجزون عن ترشيح عدد يتجاوز أصابع اليد الواحدة من النساء و الأقباط، يخطبون في صرامة عن الالتزام الحزبي ثم يطلقون الحبل علي الغارب لأعضائه للترشح امام بعضهم البعض، تؤكد كوادره علي أهمية دعم قواعده الشعبية لمرشحيه لنفاجئ بأن هذه القواعد ماهي سوي جماعات من البلطجية و الدلالات و محترفي الاجرام، ينتقد زعماؤه استخدام الدين في السياسة ولا يلبث أن يزايد مرشحوه علي مرشحي الإخوان حتي لتحسبهم من مرشحي تنظيم الجهاد أو الجماعة الاسلامية .
 
 أما أسوأ ما انقشع عنه غبار تلك المعركة المحتدمة بالسيوف و السنج و الأموال والقيد الجماعي و المزايدة الدينية و شتي وسائل الترهيب و الترغيب …فيتمثل في تلك الحالة الاستقطابية الغريبة التي تلبست عقل ووجدان النخب المتصارعة علي صفحات الجرائد والمجلات و شاشات الفضائيات وجعلتنا نعتقد مرغمين أننا أمام بديلين أو اختيارين لا ثالث لهما الوطني أو الإخوان المسلمين، دولة الفساد في مواجهة دولة الاسلام، شريعة الغاب أو شريعة الله، بل أن بعض المعارضين الشرفاء قد بالغوا من فرط حماسهم و تشفيهم في ” الوطني ”  _ و قد يكون ذلك مبررا _ في كيل الثناء و المدح  «للإخوان».
 
إلا أن الأخطر كان ذلك الاداء الاعلامي الرسمي الحكومي الذي _ أزعم أنه قد عاد بنا مرة اخري إلي المربع رقم واحد أو بمعني أدق ذكرنا بالأيام الخوالي لعصر الديمقراطية في أزهي عصورها الذي كانت فيه ممارسة الديمقراطية مرادفا للتغني والهتاف بحياة إنجازات الحزب الوطني ورجالاته.
 
و الواقع أن ما يقلقني في هذه الحملة الاعلانية الاعلامية الرسمية التي يتباري فيها حواريو الحزب والمتحلقون حول السلطة في هجاء و سب جماعة الأخوان، ليس حقيقة الإخوان أنفسهم فهم بدورهم و بحكم بنيتهم الفكرية و الثقافية لا يمثلون بديلا ديمقراطيا … و إنما ما يدعو للقلق حقا هو ذلك التصور الذهني الذي ترسمه هذه الحملة  لدي القارئ والمشاهد , عن كل شخص ينتقد الإخوان أنه يفعل ذلك لا عن قناعة حقيقية ولكن تزلفا ونفاقا للوطني وحكومته وأجهزتها المختلفة.
 
نحن الآن أمام فريقين، خطابين، أحدهما يحتكر السلطة و الآخر يحتكر الدين وكلاهما يدعي الديمقراطية، يحتاج الأول إليها كيافطة تبرر استمراره في الحكم و يبتذلها الثاني من أجل الوصول إليه _ الحكم تت.
 
ممارسات الوطني تكشف بوضوح تمسكه بالسلطة و لو جاء ذلك علي جثة الديمقراطية، في حين اتهامي لجماعة الإخوان بالعداء لها لا يتأسس علي محاولة مغرضة للتفتيش في نواياهم و لكن علي تعريفهم الفاسد _ بلغة أهل الفقه – لها بأنها ديمقراطية ذات مرجعية إسلامية بعكس ما نعلمه عن طبيعة الديمقراطية التي تقوم  أساسا علي الاعتراف بتعدد المرجعيات داخل المجتمع الواحد، دون أن يعني ذلك مصادرة طرف لحقوق الآخرين بحجة حصوله علي أغلبية الأصوات في صناديق الاقتراع .
 
في اعتقادي أنه قد آن الأوان للبحث عن بديل ثالث يخرجنا من هذه الثنائية الجهنمية التي عشنا فيها  بدرجات متفاوتة رغما عن أنوفنا علي مدار الثلاثين عاما الأخيرة إما حزب السلطة أو الاخوان . نحن بحاجة إلي حزب ليبرالي علماني ديمقراطي خالي من الشوائب المتسلقة و المزايدة، غير محمل بأعباء تاريخية سلطوية و لا يئن تحت وطأة توحش مصالح أعضائه و تشابكاتها بالغة التعقيدت.
 
لقد ثبت بالتجربة العملية صعوبة وربما استحالة تحول الحزب الوطني بما يمثله من امتداد طبيعي لنظام الحزب أو التنظيم السياسي الواحد إلي كيان قادر علي إدارة عملية التحول الديمقراطي، و رأيناه  بدلا من ذلك يتحول إلي كيان  مفكك متناحر يعج بالفوضي و عدم الانضباط يغري الآخرين بالوثوب عليه و هزيمته و تجاوزه .
 
نريد حزبا يولد طبيعيا  من أسفل و ليس قيصريا من أعلي نقطة في السلطة تشتبك برامجه مع مشاكل  الناخبين و تسعي كوادره من أجل صالح الجماهير و ليس بغاية التكسب وتعظيم مصالحهم الخاصة.
 
أنا لا أطالب الحزب الوطني بالتنازل عن السلطة _ لاحظ أنه لن يفعل حتي لو طلب الجميع منه ذلك – و إنما فقط بتحسين البيئة الحاضنة للحياة السياسية، بمجموعة من الاجراءات تشمل إزالة القيود علي تأسيس الأحزاب و حرية حركتها و عدم الملاحقة الأمنية لأعضائها وتخفيف قبضته علي وسائل الاعلام المملوكة للدولة والتشجيع الحقيقي علي المشاركة السياسية من خلال تنقية الجداول الانتخابية و الابتعاد عن الممارسات غير المشروعة في إدارة العملية الانتخابية وسرعة إصدار قانون السلطة القضائية بما يكفل استقلالا حقيقيا للقضاء و توفير الاشراف القضائي الكامل علي الانتخابات.
 
و أزعم انها كلها إجراءات يمكن للحزب إنجازها حتي في ظل ما آلت إليه أوضاعه الآن، بل  ربما تكون فرصته وفرصتنا الأخيرة في التمتع بنسائم ديقراطية تعددية بعيدا عن حزب الله و حزب الشيطان .

شارك الخبر مع أصدقائك