البحث عن أرضية وفاق رغم الخلافات‮: ‬بين محيطين

شارك الخبر مع أصدقائك

من خلال استقبال مهيب ونادر، وعبر بروتوكولات استثنائية لافتة بثتها الفضائيات ووسائل الإعلام، رحبت الولايات المتحدة، كبار المسئولين التنفيذيين وأعضاء الكونجرس والقيادات العسكرية إلي رجال الأعمال، بمقدم الرئيس الصيني »هو جينتاو« منذ وطأت قدماه الأرض الأمريكية 19 يناير الحالي، وليعكس هذا الاستقبال غير المسبوق.. الأهمية الطاغية التي توليها المؤسسات الأمريكية علي اختلافها لديناميكية التعامل مع القطب الصيني، تتراوح بين التفاهم والتطويع، بالنسبة للشأن الاقتصادي والتعاون الأمني والاتفاق المناخي.. إلخ، حيث الخلافات بينهما لم تزول بعد، وأن ما يفرقهما أكثر مما يجمعهما، ولأن لا غني لأحدهما عن الآخر، بحسب مسئوليهما، فالدولتان تأملان، لمصلحتيهما وللحفاظ علي الاستقرار العالمي، أن يتجاوزا، علي الأقل، حالة عدم الثقة بينهما.. لبدء مرحلة من التعاون بينهما.. سوف تسهم طبيعتها في تشكيل التطور التاريخي والسياسي المنتظر »للنظام الدولي« في العقود المقبلة.. بعدما تنقل عبر القرن الماضي.. ما بين هيمنة الامبراطوريتين البريطانية والفرنسية حتي منتصفه، قبل أن تخرجا منتصرتين من الحرب العالمية الثانية.. تجران أذيال الخيبة من مستعمراتهما، ليحل محلهما القطبان الصاعدان، الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، اللذان هيمنا بطابعيهما المتنافرين علي النظام الدولي طوال النصف الثاني من القرن العشرين.. إلي أن تفكك الاتحاد السوفيتي مطلع التسعينيات، لتنفرد الولايات المتحدة منذئذ بزعامة النظام الدولي حتي الآن، إلا من أقطاب جديدة صاعدة.. تشجعها إخفاقات »الأحادية القطبية« خلال العقدين الأخيرين.. لكي تتطلع إلي مكانة لائقة بها تحت شمس نظام دولي آت »متعدد الأقطاب«، تجيء الصين في مقدمتها.. كأقوي ثاني اقتصاد في العالم بعد الولايات المتحدة، محققة أعلي معدل نمو في العالم ( %10.3).. منذ الأزمة المالية العالمية 2008، إذ ثابرت لما استهدفته ثوريتها في مطلع الخمسينيات »ماو« ومطلع الثمانينيات »هسياو دنج«.. لبلوغ ما أسمته »المرحلة الرومانسية للاشتراكية«، وهو الاصطلاح الذي أثار عند إطلاقه منذ نحو نصف قرن.. تهكم القادة السوفيت وقتئذ.. الذين تملصوا- ساخرين- من دعوة بكين.. مساعدتها لكي يبلغاها »معا«، ولتنفذ واشنطن مطلع السبعينيات من خلال هذا الشرخ الذي اتخذ بعداً أيديولوجيا بين أقوي دولتين في المنظومة الاشتراكية العالمية، وحيث انتظمت العلاقات الدبلومايسة لأول مرة منذ 1949 بين واشنطن وبكين، ولتستقبل الموانئ الصينية، فيما اعتبر وقتها ضربًا من الخيال، قطعاً من الأسطول السابع الأمريكي، كرمز للآفاق غير المحدودة التي يمكن أن يبلغها التعاون بينهما، الأمر الذي أتاح للصين فسحة ثمينة من الزمن، وظفتها بمهارة علي الصعيدين  الداخلي وفي الخارج، لكي تبلغ اليوم، وبعد ستة عقود من ثورتها الشعبية، مرتبة القطب الثاني في العالم بعد الولايات المتحدة، ولتضيق الفجوة بينهما بانتظام نظراً لتفاوت سرعات النمو، لصالح الصين، الأمر الذي يثير مخاوف أمريكية وغربية من مغبة انتقال الثقل الاستراتيجي في العالم من غرب المحيط الأطلسي إلي الشمال الشرقي الآسيوي عند المحيط الهادئ، مما يدفع واشنطن إلي التحذير من إعادة نشر قواتها في آسيا، وهي الأقوي في العالم، استعداداً لمواجهة طويلة، يطلبها قادة الكونجرس المتشددون، علي غرار المواجهة مع الاتحاد السوفيتي السابق التي حققت آنئذ نفوذاً أوسع للمجمع العسكري- الصناعي، ومن ثم إلي رخاء ملموس للاقتصاد الأمريكي.
 
إلي هذا السياق التاريخي.. وما قد يحمله للمستقبل من تطورات، من الطبيعي أن تتواصل زيارات مسئولي كلا البلدين.. ما بين السعي لتبادل إجراءات بناء الثقة، علي النحو الذي أكده الرئيسان الأمريكي والصيني عقب لقائهما منذ ساعات، وبين مواجهات صعبة تتسم بالخشونة.. فيما يتصل بملفات شائكة قيد البحث بينهما، من سنوات الخزانة الأمريكية، إلي تسليح تايوان أو القبول بصين واحدة، إلي الملف الكوري الشمالي، إلي قضية التبت، إلي تحسين سجل حقوق الإنسان بالصين، وليس انتهاء بالبرنامج النووي الإيراني.. إلي الحالة السودانية.. إلخ، إذ برغم الخلافات الكثيرة بين البلدين.. فقد أشار البيان الرسمي الصادر علي هامش زيارة الرئيس الصيني.. إلي أن الولايات المتحدة.. »تدعم جهود الصين«، الرامية إلي جعل »اليوان« عملة احتياط دولية، كما تتردد أنباء حول الإعلان عن إبرام اتفاقات للصادرات الأمريكية بقيمة 45 مليار دولار.. سوف توفر نحو ربع مليون وظيفة في الولايات المتحدة التي تعاني من تزايد معدلات البطالة باطراد، إلا أن هناك ما يبعث علي المزيد من القلق في واشنطن لما يتصل بالطابع السري لعملية تحديث القوي المسلحة الصينية المتعاظمة.. وارتفاع موازنتها في السنوات الأخيرة علي رغم الأزمة المالية الاقتصادية في العالم التي تدفع دولاً أخري مثل الولايات المتحدة إلي تخفيض ميزانيتها العسكرية، إذ خفضتها واشنطن الشهر الماضي بما قيمته نحو مائتي مليار دولار، الأمر الذي سوف يراكم مستقبلاً احتمال اندلاع سباق تسلح أمريكي- صيني، قد تنتقل عدواه إلي دول مجاورة للصين، منها روسيا، فيما تدعو واشنطن حلفاءها علي نقط الاحتكاك مع بكين (..) في بحرالصين الجنوبي إلي التصدي للخطر الصيني، ناهيك عن توتر الأوضاع في منطقة آسيا- المحيط الهندي وشبه الجزيرة الكورية، ناهيك عن تفاقم المشكلات النقدية الاقتصادية بين الولايات المتحدة والصين، وكلها أمور تجعل من القمة الأمريكية- الصينية الجارية خلال هذه الساعات عند الشاطئ الشرقي للمحيط الأطلسي.. وكأنها تجري ما يشبه فوق »تنين صيني« آت من المحيط الهادي.
 
خلاصة القول، إن القوتين الكبريين المقدر لهما علي الأرجح قيادة النظام الدولي.. لعقود طالت أم قصرت في القرن، الواحد والعشرين، وهما يبحثان عن التوازن، لمصلحتيهما وللاستقرار العالمي، فإن الأمر بينهما لا يخلو من الاحتكاكات التي يراد ضبط تفاعلاتها، علي غرار ما كان من الثنائية القطبية السابقة بين موسكو وواشنطن، لئلا يشتد طيش ومحمومة بالمتشددين علي الجانبين.. مما يهدد الأمن والسلم الدوليين، وهو ما يدفع الطرفين الأمريكي والصيني للسعي إلي القبول بالمزيد من الاستقرار في علاقتهما.. عبر تعديل منتظم لمواقفهما بشأن العديد من المسائل، أقله »تكتيكيا«، منها تحريك التعاون بين الجيشين، بعد زيارة وزير الدفاع الأمريكي منذ أيام إلي الصين، وإلي تبني الصين لهجة أكثر تصالحية حيال دول حليفة لواشنطن، وفي توسيع أرضية وفاق رغم الخلافات، إلا أن ما يجري علي الجبهتين الداخليتين في الصين  والولايات المتحدة، سواء من ناحية بروز الجيش الصيني كمركز قوة في النظام السياسي الصيني الذي لم يعرف تعددية في مراكز صنع القرار، علي الأقل في الخمسة عشر عاما الأخيرة، أو من ناحية تعاظم نفوذ اليمين المحافظ الأمريكي بانتظام مطرد مع صعود »الريجانية« منذ نحو ثلاثة عقود، أو من ناحية ثالثة.. كون البلدين علي عتبة نقل صلاحيات الرئاسة في العامين المقبلين، ربما من جيل إلي جيل شاب في الصين أو إلي رجحان كفة المحافظين في الولايات المتحدة، مما يصبح الرهان علي مستقبل العلاقات الأمريكية- الصينية، من دون استثناء ما يجري من تطورات علي جبهتيهما الخارجية، هو ضرب من التكهنات قد تكون أبعد من المسافة الفاصلة بين المحيطين الأطلسي والهادي.
 

شارك الخبر مع أصدقائك