رجائى عطية

الاتجاهات الحديثة فى الأدب العربى (1)

شارك الخبر مع أصدقائك

للأستاذ العقاد مجموعة باسم « دراسات فى المذاهب الأدبية والاجتماعية »، لم يصدرها الأستاذ العقاد فى حياته، وإنما ضمت عددًا مختارًا من مقالات فى الأدب والشعر والشعراء والمذاهب الأدبية والاجتماعية، ونشرت سلفًا فى دوريات مختلفة، بين سنتى 1946، 1964، ونشرها عامر العقاد سنة 1967 بمكتبة غريب، وإن جاءت طبعتها خالية من تاريخ الإصدار ورقم وتاريخ الإيداع بدار الكتب، وأعادت نهضة مصر نشر المجموعة سنة 2003، وأوردت موسوعة أعلام الأدب المعاصر فى مصر المجلد 5/1 للدكتور حمدى السكوت، أوردت أنه تم العثور على عدد من هذه المقالات فى تواريخ مختلفة بدءًا من يناير 1946، حتى أبريل 1964، فى دوريات الكتاب، والهلال، وصوت الشرق، والوادى، وقافلة الزيت.

وضمت هذه المجموعة عن الشعر والشعراء، الاتجاهات الحديثة فى الأدب العربى (بشعره ونثره)، واتجاه الشعر العربى الحديث، وكيف يكون التجديد فى الشعر، ومعراج الشعر، وشوقى فى الميزان بعد خمس وعشرين سنة (ونشرت بمجلة الهلال سنة 1959)، وشعراء المهجر الجنوبى، والزهاوى وديوانه المفقود (وقد وصلتنى من خمسة عشر عامًا نسخة مصورة من أحد مجلديه )، وشعرى أى شعر العقاد، والتيارات المعاصرة فى النقد الأدبى (المنظوم والمنثور).

الاتجاهات الحديثة فى الأدب العربى

وللأدب فى عصوره النشطة على الخصوص حركتان فيما يقول الأستاذ العقاد، إحداهما التطور والامتداد، وهى حركة متقدمة ذات اتجاه معروف يشبه اتجاه تيار النهر فى مجراه إلى غايته.

والأخرى حركة التغيير لمجرد حب التغيير، وهى ليست بمدارس وإن سماها البعض مذاهب ومدارس، ويغلب على موجاتها سوء فهم الآراء العلمية الحديثة وسوء تطبيقها على الموضوعات الفنية والأدبية، وأشهر ما حدث من هذا القبيل فى العصر الحديث، سوء فهم أصحاب « الموضات » فى الفن لنظريات فرويد وزملائه من وراء التحليل النفسى، وأخصها نظرية « الوعى الباطن »، حين خطر لهم أن الحس الظاهر لا يكون مرجعًا للفنون بعد اكتشاف ذلك الوعى الباطن.

وليس أدل على جهل هؤلاء بالفن نفسه من غفلتهم فيما يسوق الأستاذ العقاد عن آثار الوعى الباطن فى كل صورة من صور الفنانين الأقدمين.
ومن آثار هذه الدعوة فى الأدب العربى صياح الصائحين بإلغاء كل استعداد فنى غير متوافر لمن يجهلون أصول الفنون والآداب.

فلا لزوم عندهم لقواعد الرسم والتلوين فى التصوير.
ولا لزوم للنحو والصرف فى اللغة.
ولا لزوم للقوافى والأوزان فى الشعر.
ولا لزوم جريًا على هذه القاعدة لقيود العرف والأخلاق فى العلاقات الاجتماعية.

وفى اعتقاد الأستاذ العقاد الذى بناه على تجارب الواقع، أن هذه الدعوات لا تجاوز أعمار « الموضات » التى يسرع إليها الزوال.
وفى وسع الناظر إلى أدبنا المعاصر فيما يقول أن يرقب أن نهضتنا الفكرية منذ مطلعها للآن تجرى فى مجرى النهر المعروف إلى غايته المعروفة.

ويرى من هذا الاتجاه المطرد أنه يبدو جليًّا واضحًا أن الأدب العربى يتقدم فى وجهة الاستقلال بجملة معانيه بالنسبة إلى الفرد وبالنسبة إلى الأمة، وأن العلامة المحققة لهذا الاتجاه هى الابتعاد يومًا فيومًا عن التقليد، والاقتراب يومًا فيومًا من التعبير المطبوع الذى
لا يقوم على المحاكاة والنقل بغير تصرف.
ففى الشعر يتقدم الشعراء سريعًا من شعر النماذج العامة الذى يصف نماذج من الناس فى الجماعة إلى شعر التعبير عن الشخصية المستقلة بطابعها الإنسانى، فلا يحدث ما كان من أن يتغزل مائة شاعر فى معشوقاتهم بذات المحاسن المحبوبة فى جميعهن بلا تنويع فيها.

وفى النثر على اختلاف موضوعاته يكثر التأليف ويزيد عدد الكتب المؤلفة على الكتب المترجمة، فيما عدا موضوعات العلم الصالحة للتعليم بالبرامج الدراسية.
وقد تغيرت الاتجاهات فى الشعر رويدًا رويدًا منذ عهد الثورة العرابية وما قبله بقليل، وظهر الشعر الذى يقوله « شخص » له شعوره المستقل وتقديره الخاص لمعانى المديح أو صفات المعشوق وما يميزه عن غيره.

وسرعان ما سرى هذا الاستقلال فيما يورد سريانه السريع فى منظومات الغناء من القصائد الفصحى أو الأزجال والمواويل.
فالأغنية صارت اليوم تعبر عن علاقة حاصلة او عن واقعة محددة، ولا ترسل فى قالب موروث.
وظفر المسرح بنصيبه من هذا التطور فى الروايات المسرحية.

وظفرت المسائل الاجتماعية بالنصيب الأوفى فى الشعر الحديث، وأكثر ما يكون ذلك فيما يضيف الأستاذ العقاد فى سياق القصة المنظومة التى تمزج التعبير العاطفى بالنظرة الاجتماعية، وتجلى ذلك فى مهرجان الشعر الأخير الذى عقد (آنذاك) بالإسكندرية، فمن ضمن ما يزيد على عشر قصائد لكبار الشعراء، كانت سبع منها من باب القصص الاجتماعى أو النفسانى، وتهدف إلى غاية للشاعر وراء الوصف الصادق والتعبير العاطفى عن وقائع القصة ومواقفها.

وانصرف القصاصون عن الموضوعات الغرامية أو الحماسية « الرومانسية »، وغلبت القصة الهادفة على الأغراض القصصية الأخرى.
وكان للمسرح حظه الموقر هو الآخر من فن القصة الهادفة.

كما صار يوجد بين الكتاب الكبار من يساهم فى وضع القصص الرمزى الذى يتناول سرائر النفس الإنسانية.
ويوجد كذلك من بين كبار الكتاب من يمارس أدب « البرج العاجى » فى حواره المنتظم وموضوعاته التى تستعار أحيانًا من الأساطير وما إليها من مبتكرات الذوق والخيال، ولكن روايات هذه النخبة من كبار الكتاب لم تخل قط من ناحية اجتماعية أو ناحية فكرية لا يصدق عليها وصف الناقدين لأدب « الفراغ ». وقد يقال فى هذه البروج العاجية أنها لم تخل من حجراتها التى ينتفع بها للسكن والمأوى مِنْ حين إلى حين.

وتكاد القصة تجور على نتائج الأدب المنثور، وان تشغل الأكثرين من قرائها عن أبواب الأدب الأخرى، ولا يخالها الأستاذ العقاد قد تركت لهذه الأبواب الأدبية ما يزيد على ربع محصول التأليف مما يصدر كل عام.

إلا أن التأليف فى النقد الأدبى، وفى تاريخ الأدب، وفى المقالة الوصفية، لا يزال فى ازياد وانتشار عند المقارنة، ويتسم التأليف فى تلك الأبواب بسمات العصر كله ؛ وهى سمات الاستقلال أو الترجمة مع التعقيب عليها والتصرف فى الآراء والأحكام التى تحتويها.

هذا وقد اشترك فى مهرجان الشعر الأخير (آنذاك) بالإسكندرية عشر أديبات، منهن باحثتان فى النقد الأدبى وفى تاريخ الأدب، وسائرهن شاعرات لازلن فى سن الشباب، واشتراك المرأة فى الحركة الأدبية علامة مستقلة من أبرز علامات الاتجاه المتطور مع الزمن الحديث.

rattia2@hotmail.com
www. ragai2009.com

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »