طارق عثمان

الاتجاهات الأمريكية الجديدة في الخليج

شارك الخبر مع أصدقائك

دوائر سياسية كثيرة تنتظر رد الفعل للضربة الكبيرة التى لحقت بقدرات نفطية سعودية الأسبوع الماضى. لكن رد الفعل الأمريكى – إن جاء – سيوضح نقاطًا مختلفة حول نظرة الولايات المتحدة لمصالحها فى الشرق الأوسط، وخاصة الخليج.

– بالرغم من عقود من الأحداث والتغيرات، فإن عمل الولايات المتحدة فى المنطقة بشكل عام كان دائماً قائمًا على ثلاث نقاط: (1) تأمين وصول النفط إلى الأسواق العالمية بأسعار يعتبرها المشترون الغربيون معقولة، (2) أمن إسرائيل، وهى قبل وبعد كل شيء، اللاعب الغربى الوحيد فى المنطقة، والدولة ذات التجربة الأقرب للفكر الأمريكى، و(3) احتواء أى خطر نابع من المنطقة – بما فيه تحركات ديمغرافية أو إنسانية كبرى من أن تمثل خطراً على أوروبا.

– على هذا الأساس، النفط كان، منذ نهايات الحرب العالمية الثانية، الهدف والأساس الأول للسياسة الأمريكية فى المنطقة. تحتم على ذلك تأمين منابعه وطرق وصوله إلى أسواقه الغربية، لأن ذلك التأمين كان، بشكل رئيسى، لمصلحة المتلقى.

– لكن اللحظة الحالية يمكن أن تكون بداية لشىء جديد. الاقتصاد الأمريكى، والعالمى، ما زال معتمدًا بشكل رئيسى على النفط، أو carbon-based كما يُسمى. لكن، هناك أنحاء كثيرة من العالم باتت على وشك الوصول إلى إمكانية إنتاج طاقة متجددة – بكل فوائدها البيئية – بتكاليف تقترب من تلك الطاقة التقليدية. كما أن الولايات المتحدة خاصة نجحت فى إنتاجات كبرى من أنواع جديدة من الطاقة النفطية، مثل النابعة من الصخر، بتكاليف منخفضة. والسؤال الآن، ما تأثير ذلك على أولويات الولايات المتحدة فى المنطقة؟

اقرأ أيضا  من تراب الطريق (985)

– هناك رأى يرى أن التأثير قد بدأ منذ سنوات، وقد وصل فعلاً إلى تحول كامل فى الاتجاهات الأمريكية فى منطقتنا. هذا الرأى يقول إن الولايات المتحدة رأت، منذ عدد من السنوات، نهاية عصر البترول وأن العقد المقبل (أو أكثر قليلاً) سيشهد تحولًا جذريًا فى دنيا الطاقة. وفى هذه الصورة تتراجع أهمية النفط، وتبقى بشكل رئيسى مخاوف الغرب من الشرق الأوسط، بحجمه السكانى الكبير والمتزايد، وبتيارات فكرية رئيسية فيه يراها الغرب معادية له (وأحيانًا يراها على نقيض التطور المجتمعى بشكل عام).

– فى هذه الصورة، تحجيم الأخطار النابعة من المنطقة قد أصبح الأساس الأول للمصالح الغربية والأمريكية فى الشرق الأوسط. وذلك يستدعى محاولات لتهميش أهم الصراعات فيه، وتفتيت أو تشتيت اهتمام أهم الدول فيه (ولاسيما تلك القابلة لتصدير مشاكل)، مع الوصول لتفاهمات مع الدول التى يمكنها (من وجهة النظر الغربية، والأمريكية خاصة) لعب دور فى ذلك التحجيم، والتى ترى الولايات المتحدة أنه يمكن الوصول لصفقات كبرى معها… ذلك التصور يرى أن إيران أهم مثال لذلك النوع الأخير. ولعله مهم هنا التذكير بالاهتمام الكبير الذى تابعت به الولايات المتحدة – وخاصة البنتاجون – دور إيران الرئيسى فى مكافحة الجماعات الإرهابية فى العراق.

اقرأ أيضا  من تراب الطريق(984)

– من هذا المنظور، فإن إيران هى الهدف – ليس للتدمير، ولكن للتغيير…أيضاً من هذا المنظور، فإن كل دول الخليج تقريباً، إما مراكز ثروة يمكن الحصول على الكثير منها من خلال بيع سلاح وتكنولوجيات مختلفة، أو أنها محطات ووسائل فى التحول الذى يجرى فعله لنوعية العلاقة مع إيران.

– بالطبع هناك رأى يرفض ما سبق. فى ذلك الرأى الآخر، فإن أولويات الولايات المتحدة ستتغير مع انتهاء عصر البترول…لكن ضرورة المحافظة على العلاقات الأمريكية الخاصة بدول الخليج، بما فيها الحماية العسكرية، ستستمر بعد انتهاء ذلك العصر. هذا الرأى يستند إلى أن تغيير إيران، سواء بتفاهمات مع النظام فيها، أو خطط أمريكية لإسقاطه، غير قابل للنجاح. ومن ثم، فإن هذا الرأى يرى فى إيران عدوًا مستمرًا للولايات المتحدة فى كل المستقبل المنظور. هذا الرأى يستند أيضاً إلى أن الشرق الأوسط وخاصة الخليج، جغرافياً، حلقة مهمة فى الجوار الروسى (وروسيا على حدود إيران). أضِف إلى ذلك أن الخليج، وأنحاء من المشرق العربى، لهم حضور واضح فى ديمغرافيا وحركات المال الكبرى فى آسيا (وهى الهدف الاستراتيجى الأساسى للصين). وعليه فإن التموضع والحماية الأمريكية فى المنطقة سيستمران، وإن كان لأسباب أخرى.

اقرأ أيضا  من تراب الطريق(982)

– كالعادة فى دنيا الاستراتيجيات الكبرى الـ(grand strategy)، الحقيقة تكون مزيجًا من رؤى وسيناريوهات مختلفة. لكن المهم فى تلك اللحظة أن نوع وحجم رد الفعل الأمريكى على الهجوم على النفط السعودى، سيُشير، ولو من بعيد، إلى أفكار الولايات المتحدة عن تطور مصالحها وأولوياتها فى المنطقة.

* كاتب مصرى مقيم فى لندن

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »