رجائى عطية

الإسلام يا ناس(9)

شارك الخبر مع أصدقائك

رجائى عطية:

من عناصر قدرة الإسلام على مواكبة الحياة، تنوع وثراء مصادر الفقه فيه، فبعد القياس عرف الأصوليون «الاستحسان» كمصدر من مصادر التشريع يلى المصادر التى حدثتك عنها.. والاستحسان فى اللغة: عد الشىء حسنًا، ويعنى فى اصطلاح الأصوليين: عدول المجتهد عن مقتضى قياس جلى إلى مقتضى قياس خفى، أو عن حكم كلى إلى حكم استثنائى لدليل انقدح فى عقله رجح لديه هذا العدول. وعنه قال الإمام مالك : «الاستحسان تسعة أعشار العلم»، وقال الإمام محمد بن الحسن عن أبى حنيفة «إن أصحابه كانوا يتنازعونه المقاييس، فإذا قال أستحسن لم يلحق به أحد»، ولقد كان يقيس ما استقام له القياس فإذا لم يستقم استحسن.

ومقتضى الاستحسان أنه إذا عرضت للمجتهد واقعة ولم يرد نص يحكمها، وللنظر فيها وجهتان مختلفتان احداهما ظاهرة تقتضى حكماً والأخرى خفية تقتضى حكماً، وقام لدى المجتهد من الأسباب ما رجح لديه وجهة النظر الخفية، عُدَّ ذلك استحساناً، وكذلك إذا كان الحكم فى المسألة كلياً، وقام لدى المجتهد دليل يقتضى استثناء جزئية من هذا الحكم الكلى، والحكم عليها بحكم آخر، فإن هذا شرعاً من قبيل الاستحسان. ومؤدى ذلك أن الاستحسان نوعان: أحدهما ترجيح قياس خفى على قياس جلى بدليل. وثانيهما استثناء جزئية من حكم كلى بدليل.

وقد عرفه أبو الحسن الكرخى فقال : «هو أن يعدل المجتهد عن أن يحكم فى المسألة بمثل ما حكم به فى نظائرها لوجه أقوى يقتضى العدول عن الأول».. وهذا التعريف أبين التعريفات لحقيقة الاستحسان عند الحنفية.. لأنه يشمل كل أنواعه، ويشير إلى أساسه ولبه، إذ أساسه فيما يقول أستاذنا فضيلة الشيخ محمد أبوزهرة أن يجىء الحكم مخالفاً قاعدة مطردة لأمر يجعل الخروج من القاعدة أقرب إلى الشرع من الاستمساك بالقاعدة، فيكون الاعتماد عليه أقوى استدلالاً فى المسألة من القياس. ومع إتفاق الحنفية والمالكية على الأخذ بالاستحسان، واعتماد الحنفية على التعريف الذى أسلفناه، فإن المالكية تعددت تعريفات الاستحسان لديهم.. لعل أقربها للتعريف الذى أخذ به الحنفية تعريف ابن العربى بأن الاستحسان ترك الدليل والترخيص بمخالفته، لمعارضة دليل آخر فى بعض مقتضياته، فقد يُترك الدليل للعرف، وقد يُترك للإجماع، وقد يُترك للمصلحة، وقد يُترك للتيسير ودفع المشقة.

والحنفية يقسمون ذلك إلى قسمين : استحسان القياس، بأن يكون فى المسألة صنفان يقتضيان قياسين متباينين أحدهما ظاهر متبادر وهو القياس الاصطلاحى، والآخر خفى يقتضى إلحاقها بأصل آخر فيسمى استحساناً. أما الضرب الثانى للاستحسان لدى الحنفية فهو الذى يكون لداع آخر غير العلة الخفية الأقوى أثراً من العلة الظاهرة، وإنما يكون للتعارض بين علة القياس، ودليل آخر غير القياس. ويقسمون ذلك إلى استحسان السنة، واستحسان الإجماع، واستحسان الضرورة.

وضرب أستاذنا فضيلة الشيخ عبد الوهاب خلاف، وأستاذنا فضيلة الشيخ محمد أبو زهرة ضربا أمثلة للاستحسان القائم على ترجيح قياس خفى على قياس جلى بدليل، بأمثلة بعضها فى إدخال حق المسيل وحق الشرب وحق المرور استحساناً فى الوقف، وبعضها عند اختلاف البائع والمشترى فى مقدار الثمن فى المبايعات قبل قبض المبيع، وبعضها خاص بالفارق فى التحريم بين سباع الطير وسباع الحيوان لاختلاف أثر لعاب كل منهما على لحمه تبعاً للفارق بين منقار الطائر ولسان الحيوان. وضربا أمثلة للنوع الثانى باستثناء جزئية من حكم كلى بدليل، منها استحسان التعاقد على المعدوم خلافاً للبيع والتعاقد عموماً فى الإجارة والمزارعة والمساقاه وأشباهها مع أنها عقود، إلاَّ أن حاجة الناس وتعارفهم كان وجهًا لاستحسان استثناء هذه الجزئيات من الحكم الكلى الذى ينهى عن بيع المعدوم والتعاقد على المعدوم. ومن ذلك استحسان استثناء موت الأب أو الجد أو الوصى مجهلاً، من الحكم الكلى بأن الأمين يضمن بموته مجهلاً لأن التجهيل نوع من التعدى، ووجه هذا الاستحسان باستثناء الجزء من الكل، أن الأب والجد والوصى لكل منهم أن ينفق على الصغير ويصرف ما يحتاج إليه، فلعل ما جهله كان قد صرفه فى وجهه.

وضرب أستاذنا الشيخ محمد أبو زهرة أمثلة لاستحسان السنة، وهو أن يثبت من السنة ما يوجب رد القياس فى موضعها، كاستحسان صحة الصيام إعمالاً لنص السنة الصريح استثناء من القاعدة الكلية، وذلك إذا كان مرد أكل أو شرب الصائم إلى السهو والنسيان، واستحسان أن يقتصر أثر القهقهة فى الصلاة على إبطال الصلاة دون نقض الوضوء. أما استحسان الإجماع بترك القياس فى مسألة لانعقاد إجماع على غير ما يؤدى إليه القياس، فضرب له مثلاً باستحسان صحة عقد الاستصناع لانعقاد إجماع على غير ما يؤدى إليه القياس لانعقاد إجماع المسلمين على صحته مع أن القياس يوجب بطلانه لأن محل العقد كان معدوماً وقت إنشاء العقد. فالعدول هنا لدليل أقوى، ويقارب استحسان الإجماع فى معناه استحسان العرف، فإنه يكون وفقاً للمشقة فى حالة العرف العام. أما استحسان الضرورة فصورته أن يوجد فى المسألة ضرورة تحمل المجتهد على ترك القياس والأخذ بمقتضياتها، واستحسان غيرها للضرورة، وضرب له مثلاً استحسان ترك العمل بموجب القياس للضرورة فى شأن تطهير الأحواض والآبار والتى لا يمكن تطهيرها بالأخذ بالقياس لاختلاط الماء الداخل مع الماء الخارج اختلاطا يستحيل تلافيه !

ومن تعريف الاستحسان وبيان نوعه، يتبين أنه فى الحقيقة ليس مصدراً تشريعياً مستقلاً، لأنه فى واقعه طريقة للاستخلاص والاستدلال من المصادر التشريعية الموجودة، فالنوع الأول من نوعى الاستحسان دليله هو القياس الخفى الذى ترجح على القياس الجلى، بما إطمأن له قلب المجتهد بين المرجحات، وهو وجه الاستحسان. والنوع الثانى من نوعى الاستحسان فدليله الذى انقدح فى ذهن المجتهد هو المصلحة التى اقتضت استثناء الجزئية من الحكم الكلى، وهذا هو وجه الاستحسان.

ويجب أن نعرف أن حجية الاستحسان موضع إختلاف بين الحنفية وآخرين، فدليل أكثر الحنفية على حجية الاستحسان أنه استدلال بقياس خفى ترجح لأسباب على قياس ظاهر، أو هو ترجيح قياس على قياس يعارضه بدليل يقتضى هذا الترجيح أو إستدلال بالمصلحة المرسلة على استثناء جزئى من حكم كلى. وكل هذا استدلال صحيح، بينما عارض فريق من المجتهدين الاستحسان واعتبروه استنباطًا للأحكام الشرعية بالهوى، حتى قال الإمام الشافعى : «من استحسن فقد شرَّع، وغالى فى رفضه لهذه الحجية، ورأى أستاذنا الجليل فضيلة الشيخ عبد الوهاب خلاف أن الفريقين المختلفين فى الاستحسان لم يتفقا فى تحديد معناه. فالمحتجون به يريدون معنى غير الذى يريده من لا يحتجون به، ولو اتفقوا على تحديد معناه، لما اختلفوا فى الاحتجاج به، لأن الاستحسان هو عند التحقيق وبعده عدول عن دليل ظاهر أو حكم كلى لدليل إقتضى هذا العدول، وليس مجرد تشريع بالهوى».

يقول الإمام الشاطبى فى الموافقات: «من استحسن لم يرجع إلى مجرد ذوقه وتشهيه، وإنما رجع إلى ما علم من قصد الشارع فى الجملة فى أمثال تلك الأشياء المعروضة، كالمسائل التى يقتضى فيها القياس أمراً إلاَّ أن ذلك الأمر يؤدى إلى تفويت مصلحة من جهة أو جلب مفسدة من جهة ».

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »