رجائى عطية

الإسلام يا ناس (8)

شارك الخبر مع أصدقائك

رجائى عطية:

يحتاج القياس، وهو المصدر التالى للمصادر السابفة من مصادر التشريع الإسلامى، إلى علم عريض، وفهم عميق، ونباهة وفطانة وقدرة على الموازنة والاستخلاص والمقارنة والقياس، لأن ممارسته تحتاج إلى كل هذه المكنات ليعرف الباحث طريقًا آمنًا وسديدًا للقياس الذى ينشده.

والقياس لدى الأصوليين، هو بيان حكم أمر غير منصوص على حكمه بإلحاقه بأمر معلوم حكمه بالنص عليه فى الكتاب أو السنة، ويعرفونه أيضًا بأنه إلحاق أمر غير منصوص على حكمه بأمر آخر منصوص على حكمه للاشتراك بينهما فى علة الحكم . فبالقياس ترد الأحكام التى يجتهد فيها المجتهد إلى القرآن المجيد والسنة النبوية.. فهو إذن من باب الخضوع لحكم التماثل بين الأمور الذى يوجب التماثل فى أحكامها، لأن التساوى فى العلّة أوجد التماثل فى الحكم.

وجمهور الفقهاء على حجية القياس، ويستندون فى ذلك إلى أن ردّ الأمور إلى الله والرسول (الآية 59 سورة النساء) ـ يكون بالتعرف على الأمارات الدالة على ما يرمى إليه الله ورسوله مما أمرا به، وذلك بتعليل أحكامها والبناء عليها، وذلك هو القياس.

والقرآن الحكيم يومئ إلى تعليل الأحكام، ويعلل بعضها بالفعل عند ذكر حكمها، وبيان مقاصدها، من ذلك بيان حكمة القصاص بقوله عز وجل: «وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ»، وبيان علّة توزيع الفئ بألاّ يكون المال «دولة» بين الأغنياء، أى متداولا بينهم خاصة! (الآية 7 من سورة الحشر).

وتعليل بعض الأحكام فى القرآن، هو إشارة واضحة إلى وجوب القياس عند عدم وجود النص واتحاد العلّة، وإلى ذلك أيضًا أشارت السنة، كتعليله عليه الصلاة والسلام وجوب الاستئذان قبل دخول الإنسان على غيره أو غير بيته بأنه قد جعل من أجل البصر، كيما لا يطلع الداخل على ما لا يصح أن يطلع عليه، يقول عليه الصلاة والسلام : «إنما جعل الإذن من أجل البصر»، وهذا تعليل للنهى المفصل الذى ورد بقوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ * لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ» (النور 27 ـ 29).

وقد انعقد إجماع الصحابة على ثبوت القياس فى الأحكام، فنجد الصديق رضى الله عنه قد أعطى الجد حكم الأب فى الميراث باعتباره أبًا لأن فيه معنى الأبوّة، وابن عباس قاس الجد على ابن الابن، ونرى أن عمر بن الخطاب رضى الله عنهم أجمعين، قد أمر أبا موسى الأشعرى فقال له: «إعرف الأشباه والنظائر، ثم قس الأمور عند ذلك»، وقاس الإمام على ـ فى رأيه لعمر ـ قاس حد الشرب على حد القذف باعتبار أن الشرب يؤدى إليه .

ويعرف العلماء للقياس أركانا أربعة: الأصل: وهو المصدر الذى يبين الحكم الذى يُقاس عليه، والحكم: وهو ما ورد بالنص أو بالإجماع الذى يُقاس عليه، وله شروط أفاض فيها العلماء، والفرع: هو الواقعة التى يُراد معرفة حكمها بالقياس على الأصل والتى لا نص على الحكم فيها، والعلّة: وهى الأصل أو الأساس الذى يقوم عليه القياس ولها تعريفات وضعها علماء الأصول، وفصلوا فيها الحديث وبيان الشروط وفى وجوب المناسبة بين الحكم والعلّة، كما أفاضوا فى بيان مسالك العلة، وهى الطرق التى تعرف بها العلة تعريفًا يميز بين ما يعتبر وما لا يعتبر علّة. وقد ضرب العلماء أمثلة لعمليات القياس التى استهدت بالعلّة، كالإجماع فى الميراث على تقديم ابن العم الشقيق على ابن العم لأب قياسا لاتحاد العلّة على تقديم الأخ الشقيق على الأخ لأب بسبب رجحانه بقرابة الأم.

ويرى العلماء أنه إذا لم يكن هناك نص يبين العلّة أو يومئ إليها، فإن الطريق للتعرف عليها يكون بالاجتهاد الفقهى بتعرف الأوصاف المختلفة فى المحكوم فيه والتعرف على أيها يصلح وصفًا مناسبًا

للحكم، ويضربون لذلك مثلا بما طالب به النبى صلي الله عليه وسلم رجلاً أبطل صومه بمجامعة زوجته فى نهار رمضان ـ بأن يؤدى كفارة بعتق رقبة، فإن لم يجد فيصام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا.

لا شك أن هذا النص معلّل، ولكن ما هى علّته؟ هل هى فى مواقعة الزوجة فى نهار رمضان، أم أن العّلة فى مجرد الإفطار؟ ورأى البعض أن العّلة ليست فى جماع الزوجة، فهو ليس حرامًا فى ذاته، وإنما العلّة فى انتهاك حرمة رمضان والصيام المفروض فيه، وفى هذا يستوى مع كل المفطرات، وعلى ذلك يكون الإفطار عمدًا هو سبب هذا العقاب أو علّة الكفارة، ومن ثم تجب الكفارة على كل إفطار متعمد .

ويسمى الفقهاء هذا «تنقيح المناط»، وفرعوا من ذلك ثلاث مصطلحات، تخريج المناط، وتنقيح المناط، وتحقيق المناط.

فقالوا إن «تخريج المناط» ـ هو تعرف الوصف الذى يصلح علّة إذا لم تتبين العلّة من النصوص بالعبارة أو الإشارة أو الإيماء، ولم يكن من ثم إجماع على علّة وهى أساس من أسس الاجتهاد وبالقياس،

فخرجوا من ذلك ـ مثلا ـ أن الحكم فى القتل يثبت بكل آلة استعملت فى إحداثه، حتى ولو كانت غير مستعملة فى عصر التنزيل.

أما «تنقيح المناط»، فيكون حين تستفاد العلة من مجموع ما اشتمل عليه الحكم، فيتم اختيار الوصف الأنسب ويستبعد الغير مناسب، حتى ينتهى المجتهد إلى الوصف المناسب الذى يصلح علة كما رأينا فى استخراج أن علة الكفارة هى فى إفساد الصوم أيا كانت المفطرات.

أما «تحقيق المناط» ـ فهو النظر فى معرفة وجوده فى آحاد الصور التى ينطبق عليها وتدخل فى عمومها بعد أن تكون العلة نفسها قد عرفت بطرق المعرفة المختلفة، كالعدالة مثلا، فهى مناط الإلزام بالشهادة، أما كون الشخص عدلا أو غير عدل فإنه يعرف بتحقيق المناط، وكالإسكار ـ مثلا ـ فإنه علة تحريم الخمر، ولكن تحقيق وصف أو واقع كل شراب وهل يسكر أو لا يسكر، وما الذى ينطبق عليه وصف السكر، فإن ذلك هو تحقيق المناط.

لقد أفضت قليلا فى النقل عن العلماء، ليدرك القارئ أن التعرف على العلل من النصوص لمعرفة الأحكام بالقياس، عملية دقيقة بالغة الدقة وليست سهلة، ولا يتقنها سوى الفقيه العالم الحاذق الذى عالج النصوص وفهمها فهما عميقا وتعرف على مقاصد الشريعة فى عمومها وخصوصها.

هذا وقد قسم العلماء القياس إلى أقسام تبعًا لمراتبه فى الحكم، كما تحدثوا فى بناء القياس على الحكمة، على تفصيلات لا يتسع لها المقام ولكنها وضعت القياس فى موضعه المهم واللائق تبعا لترتيبه ضمن المصادر التى تُستقى منها الأحكام الشرعية من واقع أدلتها التفصيلية.

شارك الخبر مع أصدقائك