رجائى عطية

الإسلام يا ناس (73)

شارك الخبر مع أصدقائك

بقلم: رجائى عطية

العفو فى جرائم النفس، فــرع على سجيـة عامة هى سجية «العفو» التى أخذ بها الإسلام فى مواضع كثيرة حرصاً على بث السلام وحفاظاً على الوشيجة والآصرة الإنسانية، على أن العفو فى جرائم النفس يلتئم مع القصاص فى غاية كبرى هى الحفاظ على الحياة الإنسانية.. جعل الله لنا فى القصاص حياة، وجعل لنا أيضاً فى العفو حياة، بغلق باب الثارات وحصد الأرواح وسفك الدماء.. دون أن يهمل النذير للجانى بأنه إن أفلت من عقاب الناس والدنيا، فلن يفلت من عقاب الآخرة.. بل هو عند الله تعالى آثم ومغضوب عليه وملعون.. يقول القرآن المجيد: «وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا» ( النساء 93 ).

هل عدنا إلى أيام الجاهلية فى استهانتنا بالأرواح.. لقد كان الجفاة الغلاظ، يستخفون قبل الإسلام بالروح الإنسانية، حتى فى بنيهم وفلذات أكبادهم، يئدون البنات كراهةً لإنجابهن أو مخافة لحاق العار بهم ، ويقتلون أولادهم خشية الإملاق والفاقة ونضوب القدرة على إعاشتهم والإنفاق عليهم.. إلى هؤلاء نزل القرآن الحكيم مقدساً للروح الإنسانية، آمراً باحترامها.. يقول للوائدين منذراً ومحذراً ومرّهباً.. «وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ. بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ». (التكوير 8، 9). هذا البيان القرآنى إنما يرد على سبيل التبكيت والتقريع للوائدين.. لافتا منبها إلى أن الموءودة لم ترتكب بداهة ما يبيح أو يبرر قتلها ؟!.. هؤلاء ضعاف العقول والأفهام الذين فيهم قـال القرآن:«وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ. يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِى التُّرَابِ أَلاَ سَاء مَا يَحْكُمُونَ» (النحل 58، 59 ).. ويقول القرآن لفاقدى الثقة والإيمان، القاتلين لأولادهم خشية الفقر والإملاق..

«وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيرًا» ( الإسراء 31 )

( الأنعام 151).. الخوف من الفاقة هو ضعف فى الإيمان.. المؤمن الحق يعلم أن الله تعالى هو الرزاق.. ما من مخلوق إلاّ ويوافيه سبحانه برزقه، حتى الدواب.. «وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِى الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا» (هود 6).. لا تنتهى الآية الكريمة فى نهيها عن هذه الجريمة الكبرى التى نهت عنها، دون أن تقول إن ما مضى من هؤلاء الجفاة الذين استحلوا قتل أولادهم إنما كان خطأً كبيراً !!

من هذا الحرص الحريص على الروح الإنسانية وعلى الحياة، ما روى عن رسول القرآن..

كان ﷺ يقول: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول فى النار» .. فقيل هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال ﷺ: «إنه كان حريصاً على قتل صاحبه».. بل إن الإسلام فى حرصه على الروح وعلى الحياة الإنسانية نهى عن الانتحار، وعده قتلاً لنفسٍ حّرم الله تعالى قتلها.. حتى على صاحبها.. وفى حديث رسول القرآن ﷺ: « من قتل نفسه بحديدة، فحديدته فى يده يتوجأ بها فى بطنه، فى نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبدا.. ومن قتل نفسه بسم، فسمّه فى يده، يتحساه فى نار جهنم، خالداً مخلداً فيها أبدا.. ومن تردى من جبل فقتل نفسه، فهو مترد فى نار جهنم، خالداً مخلداً فيها أبدا» .. وروى الشيخان عن جندب البجلى عن النبى ﷺ قال: « كان من قبلكم رجل به جرح فجزع، فأخذ سكيناً فَحَزَّ بها يده فما رقأ الدم (أى لم يتوقف عن النزف) حتـى مـات، قـال الله تعالى:«بادرنى عبدى بنفسه حرّمت عليه الجنة» .. الأسير، مع أنه قد يكون مقاتلاً آذى وقَتَل، إلاَّ أن روحه مصونة، بل هو مرعى محفوظ الحق والكرامة، وإطعامه واجب على آسره.. ففى القرآن المجيد:.. «وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا» (الإنسان 8)، والمنّ عليه بإطلاقه من الأسر سابق على الفداء.. «فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا».. (محمد 4).. الإسلام الذى يحترم روح الأسير ولا يمسها، يحترم أيضاً روح المعاهد الذى هو أصـلاً من أهل دار الحرب الذين شنوا الحرب وقاتلوا وقَتَلوا.. روى عن عبد الله بن عمر، عن رسول القرآن صلى الله عليه وسلم قال: «ومن قتل معاهداً لم يرح رائـحة الجنـة».. وعنه عليه الصلاة والسـلام أيضاً: «ألا من قتل نفسـاً معاهـدة، لها ذمة الله، وذمة رسوله، فقد أخفر ذمة الله، ولا يرح رائحة الجنة» ..

تقرير مبدأ شخصية المسئولية فى الإسلام، يصب فى النهاية فى صالح الروح الإنسانية وعدم جواز المساس بها ووجوب احترامها والنأى بها عن أى عقاب إلاّ لوزر شخصى ثبت فى حقها ثبوتاً مؤكداً معدوداً يستوجب عقابها حقاً وعدلاً.. بغير ذلك فإن الروح مصونة لا تُمس.. فى شرعة الإسلام أن المسئولية شخصية.. لا يسأل الشخص إلاّ عما فعل، لا محل لمساءلته شرعاً عن فعل سواه مهما كانت درجة قرابته أو انتمائه إليه..المسئولية فى شريعة الله شخصية.. فى القرآن الحكيم: «وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِى عُنُقِهِ»(الإسراء 13)، «كُلُّ أمـْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ». (الطور 21).. وفيه أيضاً: «ولا تزر وازرة وزر أخرى» . (الأنعام 164، فاطر 18).. «أَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى. وَأَن لَّيْسَ ِللإنسَانِ إِلا مَا سَعَى» . (النجم 38، 39) .. « فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ» . ( الزلزلة 7، 8).. فلا يلحق العقاب، ولا يجوز أن يلحـق، إلاّ بمـن ارتكـب الجـرم وثبت فى حقه ثبوتاً يقره الشرع والقانون، بغـير ذلك تكــون المساءلة ظلمـاً، «وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ» . (غافر 31).

أينما يطوف المسلم، وغير المسلم فى رياض الإسلام، يجد دوحة أظلت الروح الإنسانية بكل رعاية وأقامت سياجاً عالياً لحفظها.. الدين الذى يقدم هذا كله، حرصاً على الروح الإنسانية، وحماية ووقاية لها، ليس دين عنف ولا دين سيف ولا خنجر ولا مدفع ولا قنبلة.. آخر ما يمكن أن يتهم به الإسلام أن يقال إنه يبيح الاستهانة بالأرواح.. إن الدين الحنيف الذى يقيم هذه الترسانة الحكيمة لوقاية الروح الإنسانية واحترامها وحمايتها والحفاظ عليها لا يستهين ولا يمكن أن يستهين بها.. هذا ادعاء باطل أظهر ما فيه بطلاناً تعمده خلط الدفاع الشرعى بالاعتداء المؤثم.. الدفاع عن النفس والعرض والمال مباح فى كل شرائع السماء وقوانين الناس، ولكن يبقى للإسلام أنه قدس الروح الإنسانية تقديساً لا مثيل له فى أى دين من الأديان أو شريعة من الشرائع..هذا الدين الجامع الذى أنزله الله تعالى رسالة للعالمين.

لقد رأينا فيما تقدم، أن الأمن والأمان غاية إسلامية وضع لها الإسلام المبادئ والأحكام والقواعد، وأحاطها بمظلة شاملة تكفل تحقيق « نعمة الأمان» التى جاءت فى مقدمة الإنعامات الإلهية، فهى نعمة النعم، وليدة العدل، ودستورها العقل والصلاح والاستقامة والبناء والبرّ والصدق والتراحم والاطمئنان والتسامح والمساواة والوسطية واحترام وتقديس الروح الإنسانية.. هذه النعمة: « نعمة الأمان» نراها حاضرة جلية من بين النعم الجزيلة التى أنعم الله عزّ وجل بهـا على المؤمنين الصادقين، فيقول عزّ من قائل فى كتابه العزيز: «وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِى الأرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِى ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِى لاَ يُشْرِكُونَ بِــى شَيْئًا وَمَـن كَفَــرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُـمُ الْفَاسِقُونَ» (النور 55) .

وحين نرى هذه المنظومة الإسلامية، وقوامها ومبادئها فى حفظ الأمن والأمان للفرد والمجموع، ونقارن ما تردينا فيه هذه الأيام، ندرك آسين حزانى، كم ابتعدنا عن الإسلام، وكيف غلب علينا ظنون ضالة هيأت للبعض أن هذه الجنوحات من الإسلام، وهذه فى ذاتها نكبة.. لأن الدين هو الأمل فى أن يردنا إلى الحق والصواب، فإذا أخطأنا فهمه، ونسبنا إليه ما ليس فيه، بل وناقضنا مبادئه وقيمه وأحكامه، نكون قد صادرنا على «جذوة» الأمل المستمدة من هذا الدين الحنيف.

هذا الخطر، هو الدافع الحقيقى لكتابتى هذه الكلمات، وللعنوان الذى اخترته لها، متمنيا أن نلتفت إلى جناياتنا فى حق الإسلام، وكيف يجب علينا أن نتقدم إلى الإسلام، وأن نتنادى: الإسلام يا ناس !

(يتبع)

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »