شريف عطية

الإسلام يا ناس (7)

شارك الخبر مع أصدقائك

رجائى عطية:

يرتب الأصوليون مصادر التشريع الإسلامى، بعد القرآن والسنة والإجماع، بفتوى الصحابى، يليها القياس، فالاستحسان، فالعرف، فالمصالح المرسلة، فالذرائع، فالاستصحاب، فشرع من قبلنا. ولكل مصدر من هذه المصادر تعريفاته، وأسسه وعناصره وحجيته ومراتبها، ولا غناء للعالم الباحث عن الأحكام الشرعية عن دراستها والإلمام الوافى بها.



وأولوية فتوى الصحابى، مستمدة من أن الصحابة شاهدوا النبى ﷺ وتلقوا عنه الرسالة، وألمّوا بأسباب أو مناسبات التنزيل، وسمعوا منه بيان الشريعة، وفهموها عنه، فكان لفتاويهم حجة مستمدة من هذه المعرفة.

وقد تابع الصحابة بعد وفاة الرسول ﷺ الاجتهاد وإفتاء المسلمين فيما يشكل عليهم.. فقد اتسعت رقعة الدولة الإسلامية وترامت أبعادها بانتشار الإسلام.. ونمو حركة الفتح.. وأخذت أعداد الوافدين الجدد فى رحاب الدعوة تكبر وتتعاظم.. ولم يكن كل واحد منهم على درجة من التفقه فى الدين والقدرة على الرجوع بنفسه إلى المصادر الأساسية فى الكتاب والسنة تمكنانه من التعرف على الحكم الشرعى الصحيح فى كل المسائل، فقد كانت نصوص القرآن الكريم لا تزال فى ذلك العهد مدونة فى صحائف خاصة محفوظة فى بيت الرسول ﷺ وبعض أصحابه، ولم تكن السنة قد دونت بعد تدويناً شاملاً، فضلاً عما طرأ على المسلمين من حاجات وحوادث وأقضية لم تطرأ فى عهد الرسول عليه الصلاة والسلام.. ومن هنا اضطلع علماء الصحابة بمهمة نشر القرآن الكريم والحديث الشريف وتفسيرهما، وإفتاء الناس فيما يعرض لهم من وقائع فى مختلف الأمصار الإسلامية.. وفى هذا المجال اشتهر منهم نحو مائة وثلاثين صحابياً.. من أبرزهم الخلفاء الأربعة، والسيدة عائشة، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وزيد بن ثابت، ومعاذ بن جبل، وعبد الله بن مسعود، وغيرهم.. رضى الله تعالى عنهم أجمعين.

كان علماء الصحابة خير من يتولى هذه المهمة فى هذه الحقبة.. لعمق إيمانهم وورعهم وطول صحبتهم للرسول، وحفظهم عنه القرآن والسنة، ولمشاهدتهم مواضع التنزيل وإلمامهم بأسبابه، وتلقيهم تعاليم الرسول وإرشاداته.. كل ذلك مع العقل الواعى والإخلاص جعلهم أقدر الناس على معرفة مرامى الشرع وإدراك حكمه.. فوظيفة الإفتاء من أجل المهام وأخطرها، والمفتى الحق يقوم بعمل هو من عمل الأنبياء.. فهو يبين للناس ما يحل لهم وما يحرم عليهم، ويرشدهم إلى أحكام دينهم الحقة.. وهو دور تبدو أهميته وخطره فى تهيب السلف على علمهم من الفتيا، وإحجامهم عن إعطائها إلا لضرورة تتمثل فى واقعة حصلت بالفعل، وبعد البحث والتحرى المتأنى.

يقول الإمام النووى فى مقدمة شرح المهذب: «اعلم أن الإفتاء عظيم الخطر كبير الموقع كثير الفضل، لأن المفتى وارث الأنبياء وقائم بفرض الكفاية».

ويقول عبدالرحمن بن أبى ليلى: «أدركت عشرين ومائة من الأنصار من أصحاب الرسول.. يُسأل أحدهم عن المسألة فيردها هذا إلى هذا وهذا إلى هذا حتى ترفع إلى الأول».. وفى رواية: ما منهم من يحدث بحديث إلاَ ودَّ أخاه كفاه إياه، ولا يستفتى عن شىء إلاَ ودَّ أن أخاه كفاه الفتيا».

ويتفق جمهور الفقهاء على أن أقوال الصحابة عليهم الرضوان حجة بعد النصوص والإجماع لقوله سبحانه وتعالى:

«وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ» (التوبة 100).. ولقول المصطفى عليه الصلاة والسلام: «أنا أمان لأصحابى، وأصحابى أمان لأمتى». ولقوله: «لا تجتمع أمتى على ضلالة».

ولا مراء فى أن آراء وفتاوى الصحابة نافذة مهمة جدًّا للتعرف على ما كان يشكل على المسلمين.. وقد أسهب ابن القيم فى بيان منزلة آراء الصحابة.

والفتوى التى يفتى بها الصحابى لا تخرج عن ستة وجوه:

أن يكون سمعها من النبى عليه الصلاة والسلام.

أن يكون سمعها ممن سمعها عنه ﷺ.

أن يكون فهمها من آية فى كتاب الله فهماً خفى علينا.

أن يكون قد اتفق عليه ملؤهم «إجماعهم» ولم ينتقل إلينا إلا قول المفتى وحده.

أن يكون رأيه لكمال علمه باللغة ودلالة اللفظ على الوجه الذى انفرد به عنا، أو لقرائن حالية اقترنت بالخطاب أو لمجموع أمور فهمها على طول الزمان من رؤية النبى ﷺ، ومشاهدة أفعاله وأحواله، وسيرته وسماع كلامه والعلم بمقاصده، وشهود تنزيل الوحى، ومشاهدة تأويله بالفعل فيكون فهم ما.

لم يتح لنا فهمه.

وعلى هذه التقارير الخمسة تكون فتوى الصحابى حجة.

أما الوجه السادس، فهو أن يكون لم يوفق فى فهم ما يرويه عن النبى عليه الصلاة والسلام أو أخطأ فى فهمه.

وعلى هذا التقدير لا يكون قوله حجة.

وقد أثر عن الأئمة الأربعة أنهم كانوا يتبعون أقوال الصحابة بعد الكتاب والسنة، ولا يخرجون عنها، ويقول الإمام أبو حنيفة فى ذلك:

«إن لم أجد فى كتاب الله تعالى وسنة النبى صلى الله عليه وسلم أخذت بقول أصحابه، آخذ بقول من شئت، وأدع من شئت منهم، ولا أخرج من قولهم إلى قول غيرهم».

ولم تقف حركة الاجتهاد والإفتاء بانتهاء عهد الصحابة الأبرار.. فقد حمل المشعل من بعدهم نفر من الفقهاء أصحاب الورع والصلاح، وعمق الفكرة وسعة الاطلاع والدراسة.. من أبرزهم أبوحنيفة النعمان ومالك والشافعى وأحمد بن حنبل.. على أكتافهم قامت مذاهب شامخة، وازدهر الفقه الإسلامى بفضل الاجتهاد والإفتاء ازدهاراً كبيراً فى العصر المعروف بعصر التدوين والأئمة المجتهدين، والذى بدأ فى أوائل القرن الثانى للهجرة واستمر إلى نحو منتصف القرن الرابع.. وفيه بدأت حركة تدوين فتاوى المفتين من الصحابة والتابعين وتابعيهم، وتصنيفها فى أبواب بحسب موضوعها.

وقد رجع أئمة ذلك العصر فى فتاواهم إلى مصادر التشريع الإسلامى المعروفة، وعلى رأسها الكتاب والسنة والإجماع وفتوى الصحابى.. يبحثون فيها على الترتيب على حكم الواقعة المستفتى فيها، ويجتهدون فى استنباط الأحكام الشرعية وتطبيقاتها، محاولين فى كثير من الأحيان تلمس الأسباب والعلل للأحكام.. وكان من الطبيعى أن اختلفت آراء هؤلاء الأئمة وغيرهم فى بعض فتاويهم بسبب التفرق فى الأقطار، واختلاف الظروف والأوضاع فى كل منها، فضلاً عن التفاوت فى الاطلاع على الأحاديث وتنوع المعارف لدى كل منهم.. لذلك ظهرت مدرسة الرأى فى العراق، ومدرسة الحديث فى الحجاز.. وكان من نتاج ذلك المذاهب الفقهية الأربعة المعروفة.

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »