رجائى عطية

الإسلام يا ناس (68)

شارك الخبر مع أصدقائك

رجائى عطية

كتبت فى عالمية الإسلام، منذ عشر سنوات، أن المتابع لأصول المجتمعات يعرف أن معظم القلاقل والملمات والأزمات ترجع إلى فقدان إحساس الفرد بالمساواة، وضيقه من اختلال الموازين، وغلبة الحكام والأغنياء والأقوياء على المحكومين والفقراء والضعفاء.

من عظمة الإسلام، وضمان مقومات أمن مجتمعه، أنه إلتفت إلى أن تنوع الخلق لا حدود له، وتفاوتهم من ثم تفاوت واقع حادث لا حد لأشكاله ولا إيقاف لسننه.. خطاب الدعوة العالمية يتجه إلى معمورات وحضارات، وإلى فيافٍٍ وصحارٍ وقفارٍ.. إلى بقاع باردة، وأخرى حارة.. إلى أراض غنية، وأخرى بلقع.. يتجه إلى الذكور، وإلى الإناث.. إلى الشيوخ والكهول، وإلى الشباب والأطفال.. إلى المرضى وإلى الأصحاء،.. إلى الفقراء وإلى الأغنياء.. إلى الضعفاء وإلى الأقوياء، وتفاوت هؤلاء وأولاء حقيقة كونية، فكيف تكون بينهم «مساواة»، وكيف يلتئم هؤلاء جميعاً رغم هذه الاختلافات الهائلة والتفاوت الحتمى: الخلقى، والمكتسب.. كيف يلتئمون جميعاً فى شجرة واحـدة عمودها«المساواة»؟!

عبقرية الإسلام، أن مبادئه تحل هذه المعضلة، فتتعامل مع واقع الاختلاف والتفاوت، ولا تنزع عن الآدمى فى الوقت نفسه إحساسه بالانتماء، وعلى قدم المساواة، إلى هذه الشجرة الإنسانية التى عمادها الإخاء والحرية والمساواة!

الآدمى ليس نسخة مكررة من باقى الآدميين، إنما يختلف بالضرورة عنهم ويختلفون عنه، يتفاوت وإياهم، ويتفاوتون وإياه على قدر حظ كل فرد من «المواهب» الخِلقيّة أو من المزايا المكتسبة بالتعلم والدراسة والخبرة والاجتهاد. من المحال أن يكون الآدميون جميعاً نسخاً كربونية متماثلة، فالتنوع حتمى فضلاً عن أنه ضرورى لتدافع الحياة وتقاسم الأدوار والأعمال فيها.. فكيف يمكن أن تتحقق المساواة بين غير المتساوين؟!

وكيف يمكن أن تجرى سنن الأحياء، وتستقيم حوافز الناس ودوافعهم وبواعثهم إذا تساوى الـعالم والجاهل، والنشط والقاعد، العامل والكسلان، المجاهد والمتخاذل، الجاد والهازل، السـاعى والخامل؟!!

ثم كيف تكون«المساواة» الشجرة الباسقة التى أرادها الإسلام بعالمية دعوته، لهؤلاء الناس جميعا على اختلافاتهم التى لا تبديـل لسننها!!

لا يمكن لديانة سماوية أن تغفل الواقع وتتجاهله، ثم إن هذا الإنكار للواقع لن يؤدى إلى نتيجة مرجوّة، ويحمل فى ذاته معاول هدمه.. الناس متفاوتون ولا بد أن يتفاوتوا بالعلم والفضيلة، فلم ينكر القرآن الحكيم ذلك فقال: «قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ» (الزمر 9).. «َرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتــُوا الْعِلـْمَ دَرَجَـاتٍ» (المجادلة 11).. والناس متفاوتون ولا بد أن يتفاوتوا فى العمل والكد والبذل والعطاء، فلم يُشِحْ القــرآن المجيـد عـن ذلك، وقـال:«أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ» (الأنفال 4)..«ولكل درجات مما عملوا» (الأحقاف 19)، (الأنعام 132) والناس متفاوتون ولابد أن يتفاوتوا فى الجهاد، فلـم يتجاهل القرآن الكريم ذلك وقال: «اَّ يَسْتَوِى الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِى الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُـلاًّ وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا» (النساء 95).. والناس متفاوتون ولا بد أن يتفاوتوا فى أنصبتهم من الرزق وأسباب المعيشة.. وفى القرآن الحكيم:«َنحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ» (الزخرف 32)

بيد أن هذا التفاوت الذى يشير إليه القرآن المجيد، لا يترتب عليه الموافقة على إقامة الحقوق والواجبات على أساس التمييز، أو تصنيف الناس إلى طبقات!.. فأنت تلحظ أن القرآن المجيد

لم يستخدم بتاتا لفظ«طبقة» أو«طبقات» وإنما حرص علـى أن يحدد العبارة فى لفظ «درجة» أو «درجات».. فلا طبقات فى الإسلام، ولا تمايز فى الإسلام بين طبقة وأخرى، أو بين عرق وأعراق أو بين جنس وأجناس، أو بين عصبيات، أو بين أغنيـاء وفقراء، أو بين أقوياء وضعفاء.. وإنما هى شجرة واحدة، لأسرة واحدة، يجمعها رباط واحـد، لا فرق فيه بين إنسان وإنسان، و.. «إنما المؤمنون إخوة».

وليس أجزى للإنسان، وأمان مجتمعه، من دين يطوى الناس فى أسرة إنسانية واحدة لا تفاضل بين أفرادها إلاّ بالعمل والتقوى، لا بالحسب ولا بالنسب ولا بالأعراق ولا بالأموال.. الإسلام أقر بوجود التنوع والاختلاف والتفاوت، وأعطى فى الوقت نفسه للمساواة حقها.. فى خطاب القرآن الحكيم إلى الناس كافة، لا إلى المسلمين خاصة، يقول الحق سبحانه وتعالى: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ» (الحجرات 13)

هذه الآية الجامعة، تلفت الأنظار إلى أصل الإنسانية الواحد، وهو حجر الزاوية الأول فى مبدأ المساواة بيـن النـاس، وهو أن الناس جميعاً ينتمون إلى أصل واحد.. «يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا» (النساء 1).. «وهـو الـذى أنشأكـم مـن نفس واحدة» (الأنعام 89) «هُوَ الَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا» (الأعراف 189).. هذا التنبيه القرآنى المتكرر إلى أصل الإنسانية الواحد، تنهدم به دعاوى العنصرية والعصبيات، وينفسح الطريق ممهداً واسعاً على مصراعيه للأخوّة الإنسانية التى لفت القرآن الأنظار إليها بين الناس جميعاً.. هذه الأخوّة، عماد المساواة، تسلس إلى الركاز الثانى فى مبدأ المساواة.. هذا الركاز ينصب فى مناط المفاضلة التى لا تكون إلاّ بالتقوى والعمل الصالح، لا بالأعراق والأحساب والأنساب (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) حين ترتد المفاضلة إلى هذا الميزان فإنها تجمع بين العدل وبين الحكمة جميعاً، فلا تخذل النشط العالم الساعى المجاهد التقىّ الورع، ولا تغلق فى الوقت نفسه أبواب الرجاء أمام غيره وإنما تبقــى الباب مفتوحاً وفى إطار الأخوّة التى تحدث عنها القرآن لارتياد سبل التنافس والتبارى على نول المكانة التى معيارها الوحيد«التقوى والعمل الصالح ».. «وَفِى ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ» (المطففين 26).

(يتبع)

شارك الخبر مع أصدقائك