رجائى عطية

الإسلام يا ناس (67)

شارك الخبر مع أصدقائك

رجائى عطية:

قلنا فى عالمية الإسلام من عشر سنوات، إنه مع عناية الإسلام بضبط السلوك الإنسانى، لم يعن بجانب ويهمل سواه.. واجه الواقع فى توازن لافت قوامه سجية الوسطية.. لم يتجاهل أن الإنسان روح وجسد، وأن لكل منهما وجوده ومطالبه.. لم يتجاهل الإسلام الجانب الجسدى أو الحسى فى الآدمى، ولم ينكر الرغبات، ولم يلغها، وإنما دعا إلى ضبطها.. ووفق فى تناسق وتوازن رائع بين المتقابلات.. بين الروح والجسد.. بين الفرد والمجتمع.. أشبع النفس البشرية وأعطاها حاجتها الروحية والمادية. عقيدة الإسلام ترتكز على المادة والروح معاً.. للمادية حقائقها، وللروح السمو والقيادة وضبط الرغبات المادية.. لابأس ولا إنكار ولا مصادرة على الرغـبات والمطالب، ولكنها محاطة بسياج من الضوابط والأخلاق بقيادة العقل والروح حتى لايتحول الآدمى عبداً للشهوات والحسيات فيفقد معنى وجوده. هذا الآدمى الذى يلتقى فيه عالم الشهادة بعالم الغيب، فرد فى مجتمع.. للمجتمع حقوقه وللجماعة أولويتها وريادتها، ولكن الفرد فرد بذاته، له ذاتيته وعقله وفهمه ووعيه ومسئول عما يختار وعما يفعل.. ليس إمعة يندفع بلا وعى مع التيار أو يساير الركب بلا فهم.. الإنسان أمام الله هو المخلوق المسئول.. يقول عنه رسول القرآن: «لا يكن أحدكم إمعة يقول أنا مع الناس، إن أحسن الناس أحسنت وإن أساءوا أسأت، ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا وإن أساءوا أن تجتنبوا إساءتهم».

المسلم السوى، مدين للإسلام بوجوده الروحى وبوجوده المادى، ومدين له أيضا فيما حفظه له من توازن بين وجوده الروحى ووجوده المادى، فمن وسطية الإسلام أنه وهو يفتح للمسلم أبواب الحياة الروحية حرم عليه أن يوصد بيديه أبواب الحياة الجسدية، كما نهاه أن يترك العمل لينقطع عن الدنيا وينسى نصيبه منها.. فى القرآن المجيد: «وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْـغِ الْفَسَادَ فِى الأرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِـبُّ الْمُفْسِدِينَ» (القصص 77).

«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ» (المائدة 87). الحياة الروحية فى الإسلام تجرى على سنن القصد الصالح للحياة البشرية، لا استغراق فى الجسد ولا انقطاع عنه فى سبيل الآخرة، وإنما قوام بين هذا وذاك.

الدين يخاطب القادر وغير القادر، القوى والضعيف، والصحيح والمريض.. وضع الإسلام القواعد، وسن الأحكام، ولم ينس الرخص.. بل وحرص رسول القرآن أن يقول للناس : «فإن الله يحب أن تؤتى رخصه كما تؤتى عزائمه» يخرج ﷺ إلى صحابته فرحاً مستبشراً يزف إليهم مانزل من سورة الشرح :

«فإن مع العسر يسراً. إن مع العسر يسراً».. يقول عليه السلام لهم : « أبشروا فلن يغلب عسر يسرين».. سن لهم القرآن القواعد والأحكام والحدود، ويدرأ فى نفس الوقت الحد بالشبهة بل ويقيم من حالة الضرورة عذراً عاماً يقيل الآدمى من تقصيره.. بل من خطيئته.. « فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ») البقرة 173).. «فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِــيمٌ» (الأنـعام 145) «فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ» (النحل 115).. وفى الحديث: «الضرورات تبيح المحظورات».. بهذه الوسطية، البعيدة عن التفريط أوالإعنات.. جعل صيام رمضان فريضة وركنا من أركان الدين، ولكن أبيح الإفطار للمريض والمسافر وجعلت الفدية للذين لا يطيقونه إلاّ بمشقة بالغة.. فالقرآن الـذى قال: «كتب عليكم الصيـام» (البقرة: 183) هـو هـو الذى قال : «فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ َ». (البقرة 184) والقرآن الذى فرض الحج فريضة وركنا من أركان الإسلام لمن إستطاع إليه سبيلاً.. «وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ» (آل عمران 97).. هو القرآن الذى يسر على الحجيج، فقال : «فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِى الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ». (البقرة 196).. والقرآن الذى جعل الفدية مقابل الرخصة فى الصوم والحج، والذى قبل الكفارة فى الظهار والحلف واللعان والصيد فـى الحــرم تيسـيراً على الناس. (المائدة 95-89)، (الأحزاب 4)، (المجادلة 2ـ4)، (النور 25-3).. إن القرآن الذى وضع المبادئ ورسم الحدود، هو هو الذى قال : «يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُـرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ» (البقرة 185) «لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا». (الطلاق 7) ويقول صفى السماء، الرحمة المهداة: «إن هذا الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلاّ غـلبه، فسددوا وقـاربوا».

أراد الله تعالى بوسطية الإسلام.. الدين العالمى، أن يهدى الناس إلى خير ما تصلح به حياتهم، أن يرفع عنهم الحرج.. «وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِى الدِّينِ من حرج» (الحج 78).. «مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَـكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ» ( المائدة 6).. بهذه الوسطية والاعتدال، اتسعت دوحة الإسلام لتستخرج أفضل ما لدى القادرين والأصحاء والأقوياء والأغنياء وذوى العزم من استقامة وصلاح وعبادة وعطاء للإسلام وللمسلمين وللحياة، واتسعت هذه الدوحة أيضاً لتفسح للمرضى والطاعنين والضعفاء وغير القادرين والفقراء، ولتسد عجزهم أو قصورهم أو ضعفهم أو مرضهم برخص أباحها بل وأحبها الله الذى أعلمهم نبيه المصطفى أنه تعالى يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه دون أن ينسلخ المسلم المرخص له عن واحة الدين أو ينغلق أمامه باب الرجاء فى اتساع رحمة السماء التى تجبر عجز العاجز ومرض المريض وشيخوخة الطاعن فى السن وتفسح لكل من صدق إيمانه وصح إخلاصه.. أليس واسع الرحمة جل شأنه يقول فى قرآنه المجيد: « وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ» (البينة 5).

هذه الواحة الإسلامية، لهذا الدين العالمى، لا تصد ولا تغلق أبوابها أمام كل راغب فى الهداية حتى وإن طالت لجاجته واشتد عناده.. بل إنها تحمى المستجير الكافر حتى يسمع كلام الله وتبلغه مأمنه.. «وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ» (التوبة 6).. كفرهم وإشراكهم دال على جهلهم وانعدام علمهم، فإذا علموا كان العلم كفيلاً بجذبهم إلى واحة الإيمان.. لذلك لا ييأس الإسلام قط من الدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا تتوقف دعوته قط عن «المجادلة بالتى هى أحسن».. ولا تنسلخ بتاتاً من سعيها الدائم الرفيق إلى البيان والإقناع وهداية العقل والفؤاد والوجدان والضمير إلى الله الواحد رب العالمين.. لم ينتشر الإسلام هذا الانتشار الفسيح الذى عم الدنيا لم ينتشر بعنف ولا بغلو ولا بقسر ولا بإكراه ولا بإجبار ولا بإرغام، وإنما انتشر الإسلام بوسطيته، وبالبيان والإقناع وبالرضا والتصديق والإيمان، وبهذه الروح الحية التى تكفل أمان الجميع فى المجتمع الإسلامى مستظلين بمظلة وارفة شاملة الحياة وجميع الأحياء إلى يوم الدين.

(يتبع)

شارك الخبر مع أصدقائك