رجائى عطية

الإسلام يا ناس (66)

شارك الخبر مع أصدقائك

رجائى عطية

مجموعة الشمائل الإسلامية، تصب بالإضافة إلى قيمها، فى أمن وأمان المجتمع.. فكل شميلة من هذه الشمائل تمثل عمودًا من أعمدة السلام والوفاق والوئام وطيب وعمار العلاقات الإنسانية، ومن ثم تجفيف أسباب العداوة والخصام والشجار والنقار والخلاف التى تعكر صلات الناس وتخلخل أمان الفرد وأمان المجموع.

من أميز ما فى مجموعة الشمائل الإسلامية من أخلاق وسجايا ومناقب، أنها صورة مثلى للعناية بالأغيار، فهى تهتم وتعتنى بما يبذله المتخلق المتحلى بها من عطاء وعناية ورعاية لسواه. وهى تترجم عن الجمال والكمال اذى تغيّاه الإسلام للفرد والمجموع، وما من شميلة من هذه الشمائل إلاّ وتجد فيها هذه العناية بالآخرين.. يتجلى ذلك فى الصدق، وفى العدل، وفى الحلم، وفى الرفق، وفى الألفة، وفى الأمانة، وفى الوفاء، وفى التواضع، وفى العفو والصفح والإسماح، وفى البر والإحسان، وفى الجود والكرم والسخاء.

فالصدق صدق مع النفس، ومع الغير.. فى القول وفى الشهادة، فى سلامة النية واستقامة القصد.. وفى خطاب عام عن الصدق يقول القرآن المجيد: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ» (التوبة 119).. وتعددت فى القرآن وصايا الصدق فى القول وفى الشهادة والتزام الحق.

والوفاء وفاء بما يعطيه المسلم من عهد ووعد، وبما يزن ويكيل به حقوق وسلع الناس، وبما عليه من واجب الإنصاف.. فهو مأمور برعاية العهد الوعد، وبأن يوفى الكيل والميزان بالقسط، وبألاّ يبخس حقوق الناس أو يخسر الميزان، وهذه المناقب تتجه بالملتزم بها إلى رعاية كافة حقوق الناس فى معاملاته معهم وصلاته بهم. محوطًا فى ذلك كله بشميلة الأمانة التى هى السلوك والغاية.. هذه الأمانة هى صفة يتحلى بها المؤمنون الذين فيهم قال القرآن الحكيم: «وَالَّذِينَ هُمْ لأمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ» (المؤمنون 8). الذين أمرهم سبحانه فقال لهم «وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً» (الإسراء 34).

ومن آداب الألفة والأخوة والصحبة والمعاشرة، فضائل الحلم والرفق واللين والإيلاف، والتواضع وخفض الجناح، وحسن وأمان الجوار.. والألفة ثمرة حسن الخلق، فيقول النبى ﷺ: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق».. وأينما وليت فى القرآن والسنة، أو فى السيرة والمأثورات المروية، ستجد مئات الآيات والأحاديث والمواقف التى تومئ إلى هذه المناقب، وتحث عليها، وتبين حكمتها وغايتها، وأهميتها للفرد والجماعة.. ستجد فى خطاب القرآن المجيد للرسول المصطفى ﷺ: «وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ» (آل عمران 159).. «فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ» (الشورى 40).. «وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ» (النور22).

ستجد فى المحبة فى الله، حديث الرسول ﷺ: «ما تحاب إثنان فى الله إلاّ كان أحبهما إلى الله أشدهما حبا لصاحبه».. وستجد فى الألفة والإيلاف حديثه ﷺ: «إن أحبكم إلى الله الذين يألفون أو يؤلفون، وإن أبغضكم إلى الله المشاؤون بالنميمة المفرقون بين الإخوان».. وستجد فى صفات المؤمنين فى القرآن: «وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ» (الشورى 38).. ستجد العديد من الآيات القرآنية فى بر الوالدين والإحسان إليهما، وستجد إلى جوار الوالدين توصية متعددة بودائع الله من الفقراء المساكين والضعفاء المحتاجين: «وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ» (النور 22).. «لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوآ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ» (البقرة 177).. لا يقتصر الإحسان على المسلمين، وإنما يمتد للأسرة الإنسانية فى المجتمع الإسلامى.. فيقول تعالى: «لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ» (الممتحنة 8).

وأمان الجوار لا يخرج منه أحد، يعطى ويبذل للمسلم ولغير المسلم.. للكتابى ولغير الكتابى.. وللعربى ولغير العربى. الطريق المفتوح إلى الإسلام هو إحساس هؤلاء وأولاء بالأمن والأمان، وبالسلم والسلام، حتى الكافر المستجير لم يحجب عنه هذا الأمان، فيقول اللطيف والخبير الحكيم: «وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ» (التوبة 6).

سماحة الإسلام تنشر عطرها فى كل اتجاه، فى التخلق بالسماحة، وفى الصدور عنها فى كل عمل وفعل، ففى الحديث: «رحم الله رجلا سما إذا باع، سمحا إذا اشترى، سمحا إذا قضى، سمحا إذا اقتضى».. وفى القرآن الكريم: «وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ» (البقرة 280).

الإعانة بالنفس شميلة إسلامية عامة.. تبذل لمن يطلبها ولمن يتعفف عن طلبها، وثوابها هنا أكبر.. فمن كان فى حاجة أخيه كان الله فى حاجته.. تفقد الإخوان صدقة، وبرهم صدقة، والسؤال عن مريضهم وضعيفهم صدقة، ومن أوصاف المؤمنين أنهم «رحماء بينهم».. ووصية الرسول المصطفى ﷺ تتجه إلى عباد الله، فتقول لهم: «لا تحاسدوا ولا تجسسوا ولا تقاطعوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا».. «إذا أحب أحدكم أخاه فليخبره».. «تهادوا تحابوا».

من الصعب على الناظر فى الدوحة الإسلامية أن يتوقف عن الاستشهاد بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية والمواقف والمشاهد التى تحض على هذه المكارم، ولكن هذا الاستقصاء ليس الغاية هنا، وإنما الغاية أن نرى أن هذه الشمائل هى هى سبيل الوئام والسلام، والأمن والأمان المجتمعى.. فمن المحال أن يقوض الأمان ويضيع الأمن، إذا كانت هذه الشمائل مرعية فى الخلق والعمل والفعل والسلوك.. المجتمع المعطر أفراد بهذه المناقب هو مجتمع ميمون مبارك، ينعم الجميع فى ظله بما أراده الله تعالى لعباده من أمان وسلام، قوامهما المحبة والإسماح وحسن الخلق. هذا هو الإسلام يا ناس!.

(يتبع)

شارك الخبر مع أصدقائك