رجائى عطية

الإسلام يا ناس (65)

شارك الخبر مع أصدقائك

رجائى عطية

الوسطية الإسلامية، معلم أساسى من معالم الأمن المجتمعى وحمايته من التطرف والغلو والجنوح، والغلو والتطرف هو أخطر ما يهدد أمن المجتمعات، والتطرف إيغال فى البعد عن أواسط الأمور، وهذا من أسف واقع أحوال الناس، ذلك أن أفكار البشر وعقائدهم تجرى، كما يجرى سلوكهم على قنوات وفى اتجاهات عدة قد تتطرف إلى أقصى اليمين وقد تنحدر ببعضهم إلى أقصى اليسار فى تيارات تختلف مسمياتها باختلاف تخومها ومعالمها.. يتوسطها الاعتدال نهجا يختطه ذوو البصر والبصيرة ويقبل عليـه المهتدون والعقلاء.

والتطرف خلل واضح فى اتزان الآدمى، وخلل هذا الاتزان لا يحس به صاحبه فى الأغلب الأعم، إنما يشعر به من حوله ومن يتعاملون معه، فيحتاطون منه ويتحاشونه ما أمكنهم، ويتفادون مبالغته فى التعصب والعداوة والبغضاء والغضب والتصلب وغرابة الحقد، مثلما يتحاشون ولعه بالشدة والانتقام، أو يكرهون ما يبديه من شدة البخل والشح والتقتير على أهله أو نفسه، أو من كثرة الإسراف والإفراط والإتلاف، أو ما يبالغ فى تأكيده والإصرار عليه من انتحال العظمة والأهمية، أو من ادعاء الجمال أو الكمال أو الغنى أو العلم أو الأصل أو الفصل!

خطـورة هـذا الخلل فى اتزان الآدمى تغدو أكثر أهميةً وخطراً إذا ما أصاب الحاكم والقائد والقاضى والمفكر وأصحاب المهن الحرة، لأن هؤلاء يقومون بخدمات عامة للمجتمع ومؤسساته وتوابعها، وهـم وإن كانـوا يحملـون تبعات ما يقومون به أو يقدمونه وتنعكس عليهم، إلاّ أن الأضرار المترتبة على خلل الاتزان كبيرة أو صغيرة تصب وتقع دائما على الناس كجماعات أو كأفراد!!

والوسطية هى صمام الأمان الحقيقى من كل صور التطرف والغلو، هذه الوسطية سجية من سجايا القرآن الحكيم وفضيلة إسلامية، وقد عاش الإسلام وعاش المجتمع الإسلامى فى أمان لأن الإسلام دين الفطرة والوسطية بلا تطرف ولا غلو ولا مغالاة.. عالج واقع الحياة وواقع الإنسان معالجة واعية متفطنة تستخرج من النفس الإنسانية خير ما فيها وتحاصر سلبياتها القائمة أو المحتملة، وتواجه الواقع بأفضل ما تصلح به الحياة والأحياء.. فى كل زمان ومكان.. والوسطية هى ضابط فكر المسلم وشعوره وسلوكه، فالوسط أو الوسطية هو الاعتدال والقوام بين النقائض أو بين الإفراط والتفريط.. ومن هنا كانت الوسطية سنة محمودة وغاية مرجوة لم تذكر فى شرعة الإسلام إلا فى معرض التزجية والتنويه والثناء.

هذه الوسطية ما كان لها أن تكون ركيزة للصدارة وسببا لمقام الشهادة على الأمم لولا أثرها كمقوم أساسى فى تكوين الشخصية الإسلامية بهداها وسوائها وبصيرتها وإنصافها.. وهى الصفات التى تؤهل الأمة لما أعدها القرآن المجيد له وكرمها به.. فقد دلنا القرآن الحكيم على أن التوسط هو قوام الفضائل كلها من عقائد وعبادات ومعاملات.. وخصلة أصيلة من خصال المسلم، وإطار حميد فى مسائل العبادة والأخلاق والشعور والسلوك.

وفى القصد والاعتدال فى الشعور: «لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ» (الحديد: 23)

وفى صفة عباد الرحمن المتوسطين فى انفاقهم بيـن السرف والتقتير: «وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلـِكَ قَوَامًا» (الفرقان: 67)

إن «الوسطية» كمنهاج زكاه القرآن الحكيم وحث عليه المصطفى – ﷺـ – ليست حجرا على العقول ولا هى غلق للاجتهاد أو دعوة للجمود، وإنما هى معيار موضوعى.. منار المؤمن فيه القرآن والسنة، وهما فيما أوصيا به لم يغلقا بابا للرأى أو بابا للاجتهاد ما داما فى إطارهما الصحيح الذى تمثل الوسطية سمة أساسية من سماته.. وإذ كان الرأى والاجتهاد مندوبا إليهما، فإن الوسطية حصن المؤمن فيما يراه وفيما يسلكه.. يقول المصطفى ﷺ: «خـير الأمـور أوساطها»، ويقول الإمام على وكان نجيبا فى مدرسة النبوة: «اليمين والشمال مضلة والطريق الوسطى هى الجادة عليها باقى الكتاب وآثار النبوة ومنها منفذ السنة وإليها مصير العاقبة هلك من ادعى وخاب من افترى».

الوسطية ونبذ الغلو والتطرف ملمح رئيسى وأساسى من ملامح الإسلام، وسر من أسرار قدرته على احتواء كافة التيارات.

الوسطية، تمثل العدسة أو البوصلة التى تضبط فكر المسلم وخلقه وشعوره وسلوكه.. ومسئوليته أيضا.. ولم تذكر الوسطية فى شرعة الإسلام إلاّ فى معرض التزجية والتنويه والثناء.. من مقامها المحمود أن وصفت بها الأمة الإسلامية ذاتها.. «وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا» (البقرة: 143) صدرت فلسفة الإسلام عن هذه الوسطية.. فى التنسك والعبادة.. «حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين» (البقرة: 238).

والمطالع للقرآن الكريم يلمح هذه الحفاوة بالوسطية فى ما زكى إليه من خصال وسجايا وأخلاق.. فالكرم وسط بين الشح والتبذير، والشجاعة وسط بين الجبن والتهور، والتواضع وسط بين الكبر والمذلة أو الاستخذاء، والحياء وسط بين الخور والوقاحة، والحلم وسط بين الطيش والقعود، والعدل وسط بين الظلم والمحاباة، والرفق وسط بين العنف والإضاعة. الوسطية فى الإسلام منهاج يجمع الشمائل بلا تفريط ولا مغالاة.. الغلو نفسه آفة مرفوضة.. يحذر منها رسـول الـقرآن فيقول: ” إن هذا الدين متين ولن يشاد الدين أحد إلاّ غلبه. فأوغلوا فيه برفق، فإن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى.

«الوسطية سجية محمودة».. «خير الأمور أوساطها».

(يتبع)

شارك الخبر مع أصدقائك