رجائى عطية

الإسلام يا ناس (60)

شارك الخبر مع أصدقائك

رجائى عطية

لم تتوقف الشريعة الإسلامية، فى بحثها عن توفير عناصر الأمن المجتمعى، عن ملاحقة مستجدات الحياة وما تستلزمه لضمان تحقيق العدل الاجتماعى القائم على كفاية الإنتاج وتكافؤ التبادل وعدالة التوزيع وترشيد الاستهلاك.

فى هذا الموضوع تقدم الزميل العزيز الراحل الأستاذ الدكتور شوقى الفنجرى، وهو من علمائنا البارزين فى الاقتصاد الإسلامى، والذى تشرفت بعضوية مجمع البحوث الإسلامية معه ضمن باقة من أخير العلماء.. تقدم ببحث ضاف أبان فيه أن من هذه الأسس، اتخاذ الإسلام موقفًا وسطًا رشيدًا لضمان الأمن الإيمانى والأمن العسكرى والأمن السياسى والأمن الاقتصادى والأمن الاجتماعى، وليستحضر حرص الإسلام على ضمان حد الكفاية لكل مواطن.. لا حد الكفاف!

إلتفت الإسلام إلى أن «العمل» فى الأصل هو أساس الثروة.. ففى سورة الأحقاف: «وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ» (الأحقاف: 19).. وفى سورة النساء: «لاَّ يَسْتَوِى الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِى الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُـلاًّ وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا * دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا» (النساء: 95، 96).. هذا الجهاد هو المجاهدة بكل أنواعها، والسعى بكل صوره، الذى فيه قال القرآن المجيد: «وَأَن لَّيْسَ لِلاِنسَانِ إلا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاء الأوْفَى» (النجم: 39 41).

نجد من أمثلة حرص الإسلام على تحقيق هذه الغاية، ما فعله الرسول ﷺ إزاء ما ظهر من اختلال المراكز المالية والاجتماعية فى دار الهجرة، ومؤاخاته المشهورة بين المهاجرين والأنصار، وحثه على فلاحة وعمار الأرض فى نصحه للمسلمين: « من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها أخاه ولا يكريها».. أى لا يؤجرها وإنما يقدم الفلاحة والإنتاج على الإجارة والاستغلال.

اقرأ أيضا  من تراب الطريق ( 956 )

وفى سبيـل هذا الضمان، حرّم الإسلام كنز الأموال والذهـب والفضة، وأوصى بعدم إعطائها للسفهاء (النساء: 5)، وجعل المال فى خدمة الخير فقال القرآن الحكيم: «وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ» (آل عمران: 180)، وقال فى خصال المؤمنين: «وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِى صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» (الحشر: 9).. لم يكتف الإسلام بالدعوة النظرية لضمان التكافل الاجتماعى تحقيقا للعدل والأمن المجتمعى، فتبنى «مؤسستين» لضمان تحقيق هذه الغاية: «مؤسسة الزكاة»، وهى ركن من أركان الإسلام.. تعتنى بتكامل المجتمع ورتق الحاجات.. وفى حرص على تحرير الإنسان من عبودية الحاجة، يقول الحكم العدل تبارك وتعالى: «فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِى أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ» (قريش: 3، 4).. وفى سـورة النساء: «لاَّ خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ» (النساء: 114).. وفى وصية المصطفى صلى الله عليه وسلم إلى صاحبه معاذ بن جبل حين ولاّه على اليمن: «أعلمهم أن الله افترض عليهم فى أموالهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن أطاعوك لذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب».

أما المؤسسة التعويضية الثانية، التى ضمن بها الإسلام التكافل الاجتماعى تحقيقا للعدل والأمن المجتمعى، فهى «مؤسسة الوقف».. والوقف فى كلمة موجزة هو إخراج المال من ملك صاحبه إلى ملك الله تعالى أى حبس أصل العين والتصدق بريعها لأوجه خير معينة مثل برّ المحتاجين أو رعاية المساجد والمدارس والمستشفيات وغيرها، ولأن الوقف فى جوهره صدقة جارية، فإن شأنه كالزكاة.. عبادة مالية وتكفير عن الذنوب.

اقرأ أيضا  الانتخابات الأميركية تدور فى إسرائيل.. والعكس

ومؤسسات الأوقاف الخيرية عديدة متنوعة فى العالم الإسلامى، فنجد إلى جوار وزارة الأوقاف فى مصر وما يتبعها الجمعيات والروابط والندوات الخيرية التى تنهض على هذه الرسالة التى فيها يتضح دور الوقف فى تحقيق الأمن الاجتماعى من خلال غاياته الخيرية والتعويضية واستثماراته التى تكفل زيادة فرص العمل والقضاء على البطالة وبرّ الفقراء والمرضى والمحتاجين، وخدمة التعليم ومقاومة الأمية، وفى أوجه خيرات لا تُحصى ولا تُعد تنعكس على المجتمع وتكفل بدورها تحقيق العدالة ومن ثم أمن المجتمع الذى يتكافل فيه الأغنياء والفقراء، والأقوياء والضعفاء، والأصحاء والمـرضى، ويستشعر كل فرد فيه أنه ينتمى إلى مجموع يحرص عليه ويكفله.

والزكاة باب فياض لرعاية الأمن المجتمعى فى الإسلام، والإسلام فى هذا السبيل، لم يفرق بين تنمية المال وتنمية الإنسان، فكلاهما يصب فى غاية واحدة هى الخير للإنسان والإنسانية، ومن أجل ذلك كانت الزكاة فريضة فى أموال الأغنياء لبر ومساعدة وعون الفقراء، وفى المصارف الشرعية التى تعود على المجتمع بعامة بالخير والنماء والازدهار.. يقول سبحانه وتعالى فى كتابه العزيز: «إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِى الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِى سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ» (التوبة: 60).

هذه المصارف الثمانية، هى تعبير عن الوفاء للخالق جل شأنه ولمخلوقاته، ودليل على صدق الإنسان مع ربه ونفسه ومع الإنسانية.. هى إذن فريضة تعبدية، تجبر الرتوق، وتضيق الفوارق، وتنمى إحساس الإنسان بأن الواحد للكل، والكل فى واحد، وتفتح بذلك آفاقا للتحاب والتواد والتساند والتعاطف والتواصل والتكافل، مما يحفظ توازن المجتمع ويكفل له الرضا والأمان.

اقرأ أيضا  من تراب الطريق(957)

لقد أفادت البحوث المقدمة للمؤتمر الإسلامى الكبير، أن «الزكاة» نموذج ثرى للتعبير عن الدور الرشيد للمال فى تحقيق الأمن فى المجتمع الإسلامى، وكيف أن هذا الدور يتضح للمتأمل فى «فقه المال» فى الإسلام، وما يحيط به من قواعد تضبط التملك والتعاملات، والكسب والإنفاق، وفى إطار وظيفة اجتماعية لا تخطئها عين المتأمل. هذه الوظيفة تنطلق من مبادئ وقيم الإسلام، وتستهدف رعاية الإنسان، وكفالة حقوقه ومصالحه، وتحقيق أمانه وأمنه، حالة كون توظيف الثروة لخدمة المجتمع من أكبر مقاصد الشريعة الإسلامية فى كفالة سلام الأفراد والأمة، ورعاية الوجدان الخاص مع الوجـدان العام، ورعاية البر والإحسان لمن قعدت به إمكانياته أو أبطأ به جهده أو منعته عوائق. فى الدعوة إلى الإنفاق فى سبيل المجتمع، يقول تبارك وتعالى: «وَأَنفِقُواْ فِى سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ» (البقرة: 195)، وعن أثر الزكاة فى كفالة وتحقيق الأمن المجتمعى، ونشر سبل الأمان والطمأنينة فى المجتمع، جاء فى سورة التوبة: «خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ» (التوبة: 103).. بفهم هذه السنن، والالتزام بمقاصدها، يأمن الفرد ويأمن المجموع فى باحة المجتمع الإسلامى.. مجتمع الهداية والتكافل الذى فيه يحس كل فرد من أفراده، ويؤمن عن عقيدة وإخلاص، بأن عطاءه للمجتمع مردود إليه عائد بخيره عليه.

(يتبع)

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »