الإسلام يا ناس (59)

شارك الخبر مع أصدقائك

رجائى عطية

العدل الذى رعاه ويرعاه الإسلام لا يتجزأ، والمسلم العادل لا يفارقه عدله، إذا شهد يشهد بالعدل.. ولا يصرفه عن الشهادة بالحق والعدل شنآن شانئ ولا إساءة مسىء.. «يَا أَيُّهَآ الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ» (المائدة: 8)..ينضح عدله فى كافة معاملاته، يفى للناس بحقوقهم، ويفى بالكيل والميزان، ولا يخسر الناس كل الناس أشياءهم.. «فَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ» (الأعراف: 85).. «وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ» (الرحمن: 9).. «وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُــوهُمْ أَو وَّزَنُـوهُمْ يُخْسِرُونَ» (المطففين من: 3-1)

والوفاء بالوعد والعهد سجية إسلامية مع المسلم ومع غير المسلم.. فالقرآن المجيد يصف المؤمنين بأنهم هم الذين «لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِـمْ رَاعُونَ» (المؤمنون: 8).. وهم بهذا مأمورون فى الكتاب المجيد: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ ُ» (المائدة: 1).. وفـى سورة الإسراء: «وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً» (الإسراء: 34).

وإقامة المسئولية فى شرعة الإسلام أساسها الاستطاعة وفى إطار مبدأ شخصية المسئولية.. فكل امرئ بما كسب رهين، ولا تزر وازرة وزر أخرى، وفى القرآن أيضا: «وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِى عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا» (الإسراء: 13).. لا يساءل الإنسان إلاّ على قدر استطاعته، فلا تكليف عدلا بمستحيل.. «لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا» (البقرة: 286).. «وَلا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ» (المؤمنون: 62).. ومن عدل الإسلام أن راعى الضرورات والقوى القاهرة وتأثيرها على الأهلية لتحمل المسئولية، فأقام من حالة الضرورة عذرا عاما يقيل المكلف من تقصيره بل من خطئه: «فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ» (البقرة: 173).. (النحل: 115).. وفى الحديث النبوى: «الضرورات تبيح المحظورات».

وحماية الإنسان من أن يساء به الظن، ضرب من ضروب العدالة المحققة للأمن والأمان فى الإسلام.. فى النهى عن المعاجلة بسوء الظن قال القرآن الحكيم: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلاتَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ» (الحجرات: 12).. وفى إيجاب التروى للتبين والتحرى وتجنب الاندفاع الأعمى الذى يقلقل أمان الناس: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ» (الحجرات: 6).

يعتنق الإسلام أن إحقاق الحق والعدل بين الناس واجب يتعين على المسلم أن يلتزمه ويحرص على تحقيقه. والقضاء هو الحكم العدل بين الناس فيما فيه يختلفون أو يتصارعون..الشاهد عادة هو عين العدالة.. لذلك عنى به الإسلام، فاشترط الأهلية أولاً لأداء الشهادة واشترط فيه العدل وحضه على التزامه.. وفى شرط العدالة يقول القرآن: «وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ» (الطلاق: 2).. فالعدالة شرط للشهادة.. الشاهد لا تقبل شهادته، لأنه لايتحقق فيه العدل والحياد ، إذا كان ذا هوى أو مصلحة أو خصومة أو عداوة.. وفى حديث رسول القرآن ﷺ: «لا تقبل شهادة خصم ولا ظنين فى ولاء ولا قرابة ولا ذى إحنة (أى عداوة)»..

الإسلام لا يدع الشاهد لشأنه ورغباته يؤدى الشهادة أو لا يؤديها ! ، فالشهادة واجب، لله، وللحق.. لا يجوز للشاهد أن يتخلف عن أداء الشهادة، ولا يقبل منه حجبها.. الإسلام هنا لا يتخذ موقفاً سلبياً مكتفياً بوصيته فى شروط الشاهد واشتراط عدله، وطلب العدل منه، وإنما يتخذ موقفاً إيجابيا فى توخيه تحقيق العدالة فعلاً وواقعاً.. فيحض الشاهد على القيام بواجبه وأداء الشهادة.. ويحذره ويرهبه ويخوفه من حجبها والقعود عنها، فيقول القرآن الحكيم فـى ذنـب ووزر وخطيئة حجب الشهادة: «وَلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ» (البقرة: 283).. كتمان الشهادة كتمان للحق، والحق سبحانه وتعالى يقـول:«وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُواْ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ» (البقرة: 42).

الإسلام لا يرضى للشاهد إلاّ أن يكون عادلاً فى شهادته، ولا يعذره فى ترك العدل مهما بلغ عذره.. لا شنآن أحد الأخصام يعذره، ولا قرابة قريب تعفيه ، ولا كون المشهود به يقع عليه يقيله من واجب التزام العدل.. فى القرآن المجيد: «وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى» (الأنعام: 152).. «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ (النساء: 135)..

«وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى» (المائدة: 8).. فالشهادة شهادة للحق، ولله .. «وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ» (الطلاق: 2).. الشهادة التى تقام لله، لابد أن تكون شهادة صدق وعدل، لذلك كان وزر الشهادة الزور وزراً عظيماً .. المسلم مأمور باجتنابها: «فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ» (الحج: 30) .. والبعد عن الشهادة الزور صفة لازمة وحتمية من صفات المؤمنين الذين فيهم قال القرآن: «وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الـزُّورَ وَإِذَا مَـرُّوا بِاللَّغْوِ مَـرُّوا كِرَامًا» (الفرقان: 72) .

حرص الإسلام على تحقيق العدل ومن ثم أمان المجتمع اقتضى منظومة شاملة جامعة.. تعقبت النشاط الإنسانى فى كافة صوره وأشكاله.. ولم تترك شاردة ولا واردة دون أن تضع دستورا لها يضمن السواء والعدل والإنصاف بين الناس.. من هذا الحرص الذى يحمى الآدمى من طمعه أو جموحه، وضع الإسلام ضمانات فى المعاملات المدنية، فأمر بالكتابة لغلق أبواب الخلاف والخصام، ودرء الظلم والجور.. واشترط «العدل» فى الكاتب مثلما اشترطه فى الشاهد.. يقول عز من قائل: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ» . (البقرة: 282) .

واحة العدل فى الإسلام تتبعت كل مظان الخلاف أو التطاحن أو التخاصم، على أن يكون قوة فاعلة معطاءة لإصلاح ذات البين.. والإصلاح بين المتخاصمين أو المتقاتلين بالعدل والقسطاس.. فالعدل وحده هو الكفيل بنزع أسباب الفرقة والخصام والصراع والقتال، وإحلال الأمن والسلام … «وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِى تَبْغِى حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ» (الحجرات: 9).

القضاء فى الإسلام، حصن العدالة الحصين، وركنها الركين.. وظيفة القضاء فيه وظيفه جليلة، لا يُختار لها ولا ينهض عليها إلا الأكفاء المشهود لهم بالعلم والعدالة.. يقول رسـول القرآن ﷺ: «القضاة ثلاثة، قاض فى الجنة ، وقاضيان فى النار. فأما الذى فى الجنة فرجل عرف الحق فقضى

به، وأما الذى فى النار فرجل عرف الحق فجار فى الحكم، ورجل قضى على جهل». قالوا: فما ذنب الذى يجهل ؟ قال: «ذنبه ألاّ يكون قاضيا حتى يعلم» !!

أينما يولى الباحث فى دوحة الإسلام، يرى العدل مرعيا أقيمت عليه حياة المجتمع، إقامة توفر الأمن والأمان والكرامة لكل أفراده بلا تفرقة لعرق أو لون أو دين أو مال أو جاه أو نفوذ.

(يتبع)

شارك الخبر مع أصدقائك