الإسلام يا ناس (58)

شارك الخبر مع أصدقائك

رجائى عطية

لقد نهى القرآن الحكيم عن مجادلة أهل الكتاب إلاّ بالتى هى أحسن: «وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ» (العنكبوت: 46)، وأمر بمعاملة غير المسلمين بالبر والقسط: «لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ
الْمُقْسِطِينَ»(الممتحنة: 8)، وأمر بالعدل بعامة حتى مع الأعداء.. «يَا أَيُّهَآ الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ» (المائدة: 8)، وأقام علاقة المسلمين بأهل الكتاب على سنة أجملها القرآن المجيد بقـوله تبارك وتعالى: «الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَآ آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ» (المائدة:
5).

أما العلاقة بين الإسلام والمسيحية، فعلاقة لها خصوصية تحدث عنها القرآن الحكيم، فقال عزّ من قائل: «لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ» (المائدة: 82-83).

لقد اتخذ الإسلام موقفا بالغ الحكمة والإنصاف باحترامه لكافة الرسالات والنبوات السابقة على الديانة المحمدية، وبحمايته مقدسات كل الأديان من أى انتهاك، ودعا إزاء التعددية القومية للتوحد وفى إطار العدل والمساواة، وقد استطاع الإسلام بذلك أن يؤلف بين القلوب، ولذلك وجد أهل الكتاب وغيرهم السلام والأمان فى واحته التى اتسعت فى عدل وإسماح لكل ضروب التعددية.

إن ما شرعه الإسلام، موافق مناسب لكل عصر، فى واحته وطبقا لمبادئه وأحكامه وهدايته وعدله وإنصافه وإسماحه، يتحقق به للجميع مظلة وارفة من الأمن والأمان، تشمل المجتمع برمته أفرادا وجماعات.. فالإسلام قد جاء ليكفل الحياة الكريمة للإنسان فى طعامه وشرابه وسكنه وحريته، وجعل الرحمة جوهر الرسالة المحمدية فقال فى محكم تنزيله لرسول القرآن: «وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ» (الأنبياء: 107).. هذه الرحمة العامة، تتسع لتشمل الكافة، مسلمين وغير مسلمين، عربا وغير عرب.. أمام الله سبحانه وتعالى تتوارى العصبيات والعرقيات، وتبقى هذه الرحمة العامة لهذا الدين الحنيف الذى جعله سبحانه وتعالى رحمة للعالمين إلى يوم الدين.

ولذلك كان العدل الاجتماعى أساسًا وهدفًا وغاية فى الإسلام.. ومن عشر سنوات أوردت عن العدالة فى كتاب «عالمية الإسلام»، أن الإسلام بمنظومته السامقة أقام دوحة وارفة يستطيع كل أعضاء المجتمع أن يستظلوا بظلها الظليل، وأن يعيش كل منهم آمنا مطمئنا فى رحابه على نفسه وماله وحريته وعرضه، مهما كان عرقه أو جنسيته أو ديانته أو مكانته أو نسبه أو ماله أو غناه أو فقره أو قوته أو ضعفه.

لم ينظر الإسلام لإقامة العدل فى المجتمع كمحض فضيلة مطلوبة وكفى، وإنما أقام عليها حياة المجتمع كقاعدة لأسس صحيحة آمنة تستقيم وتتواصل وتمضى معها حياة الناس فى ارتياح نفسى وطمأنينة وأمان وسلام. فى هذه الدوحة المشعة بالعدل والمكفولة الرعاية به لا يتغول أحد على آخر، ولا يجور عليه أو يفتئت على حقوقه أو يمس كرامته أو يتجنى عليه أو يسىء إليه.

هذه المعانى السامية لا تنتظر التفاوت أو الضيم لتجبره أو تتداركه كشأن الزكاة أو الصدقة، وإنما هى تسعى سعيا إيجابيا استباقيا حثيثا لتهيئة وتوفير ما يتجنبهما ويحقق العدالة والمساواة. فالعدل اسم من أسماء الله الحسنى وصفة من صفاته. ويعرف المسلم من القرآن المجيد أن الله تعالى قد أنزل كتبه ورسله وشريعته بالعدل، ولإقامة الحق والقسط.. «لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ» (الحديد: 25).. وإقامة العدل إحدى دعائم وأركان رسالة الإسلام التى اتجهت إلى العالمين.. بها أوصى عز وجل رسوله الأمين فقال له: «وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لأعْـدِلَ بَيْنَكُمُ» (الشورى: 15).. ويقول جل شأنه للمؤمنين: «يَا أَيُّهَآ الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَــبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ» (المائدة: 8).

لا غرو أن كان المصطفى صلى الله عليه وسلم إمام العادلين، فى أكنافه كانت واحة العدل، طفق يبلغ رسالة ربه ويوصى بما أمر الله به: «إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ» (النحل: 90).

لم يخص الإسلام المسلمين وحدهم بالحماية من الظلم، وإنما شمل حمايته للجميع.. ففى القرآن المجيد: «وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ» (غافر: 31).. ويوصى نبى الرحمة نجباء مدرسته الأبرار فيقول لهم: «اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة».

والعدل فى الإسلام من «عزم الأمور» الذى تجمل فيه سجايا وأخلاق وشمائل الإسلام. هذا العدل فيما قلناه بكتاب عالمية الإسلام يتسع لكل الناس، ويشمل جميع المجالات. العدل أساس الحكم والولايات بعامة.. «إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِــهِ إِنَّ اللّـهَ كَـانَ سَمِيعًا بَصِيرًا» (النساء: 58).. وفى سورة ص: «فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ» (ص: 26).. هذا العدل لا يستثنى من دوحته أو من إنصافه أحداً.. حتى من التوت نواياهم.. فيقول القرآن الحكيم عن هؤلاء: «سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِن جَآؤُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُم أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ» (المائدة: 42).

قد جعل سبحانه وتعالى إقامة العدل قانونا عاما فى خلقه وفى الوجود كله، وعبر القرآن المجيد عن ذلك أصدق تعبير حين قال: «اللَّهُ الَّذِي أَنزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ»
(الشورى: 17).. وفى سورة الحديد: «لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ» (الحديد: 25) .

(يتبع)

شارك الخبر مع أصدقائك