رجائى عطية

الإسلام يا ناس (57)

شارك الخبر مع أصدقائك

رجائى عطية

العدل فى واحة الإسلام، هو الركن الركين الذى به يتحقق التكافل الاجتماعى ومن ثم الأمان المجتمعى فى الإسلام. هذا التكافل الاجتماعى هو الذى يجعل الأمة جسدا واحدا، لأن منه وإليه التضامن والإعالة والرعاية، وهو مؤسس القاعدة الإسلامية الكلية، لقيام التوازن والموازنة والميزان بين الأفراد والطبقات والجماعات والأطراف، فى رعاية وتساند يكفلان أمن الفرد وأمن الجماعة والمجتمع والناس.

لقد امتن الله تعالى على عباده بنعمة الأمن الروحى والمادى، بل وأمرهم بالشكر على ما امتن به عليهم من مقومات هذا الأمن فقال عز من قائل: «فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِى أَطْعَمَهُم مِّن جُـوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ» (قريش: 4-3).. ومن المشاهد اللافتة أن رسول القرآن عليه الصلاة السلام قد أخبرنا عن ماذا يفعل الإسلام والدين والإيمان فى الفرد والمجتمع والدول.. جاء إليه بعض الصحابة يشكـون حالهم فقـال لهم: « والله ليتمن الله عز وجل هذه الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون»، وفى القرآن المجيد: « أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِى السَّمَاء * تُؤْتِى أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْـرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ » (إبراهيم: 25-24).

فمن النصوص الشرعية، والمبادئ الإسلامية، والقواعد الكلية، والأحكام الفقهية، ظهر بالدليل والبرهان، والمنطق والعقل، والواقع والتجربة عظمة الوظيفة التى يؤديها الإيمان بروحه وعناصره ومظاهره فى الحياة بما ينسجم مع الفطرة البشرية، ويوافق التصور السليم عند الإنسان والكون والحياة وخالق الحياة جلّ شأنه، مما يقطع بحاجة الناس إلى الإيمان على المستوى الفردى والجماعى.

اقرأ أيضا  من تراب الطريق (960)

لم تهمل الدراسات التى قدمت فى المؤتمر الإسلامى أثر «المقوم الإيمانى » بالنسبة للتعدديات الدينية والمذهبية والقومية والعرقية، وهى موجودة بنسب متفاوته فى المجتمع الإسلامى، والإسلام معنى بتوفير الأمن لهذا المجتمع بكل أطيافه.. وليس معنى هذا أننا مضطرون لتطويع مبادئ الإسلام لتوافق واقع التعددية وقبول الآخر، فمبادئ وأحكام الإسلام توفر ذلك توفيرًا أصيلاً. ومن ثراء هذه المبادئ صلاحيتها لكل زمان ومكان، وقدرتها على التعامل والتفاعل مع كل القوالب المعاصرة. ولا غرابة فى تعبير « التعددية»، لأن مقصودها يعنى مشروعية التعدد، وحق أصحاب المذاهب والآراء المختلفة فى التعايش والتعبير، وقد حفلت مصنفات الفقه الإسلامى بالعديد من حوارات ومناقشات وبراهين العلماء على آراء كل منهم، واحترم الإسلام الخصوصية الثقافية والبيئية للشعوب التى دخلت فيه، وللشعوب الأخرى التى احتك بها أو تعامل معها.

لقد اتسعت باحة الإسلام لقبول هذا « التعدد »، وأشار القرآن الحكيم إلى تعدد واختلاف الألسنة بين بنى البشر « وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ» (الروم: 22)، وفى سنن الاختلاف بين الناس قال عزّ من قائل: «وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِين » (هود: 118)، وفى مواجهة هذه التعددية دعا القرآن الكريم إلى التعارف بين الشعوب: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ » (الحجرات: 13).. ومع أن الدين عند الله الإسلام، وهو الدين الخاتم « وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ » (آل عمران: 85)، إلاّ أن الإسلام لم يسفه بل احترم الديانات الأخرى، وورد فى القرآن الحكيم بيانا لذلك قوله تبارك وتعالى: «آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ » (البقرة: 285).. ولم يغلق الإسلام باب الإجتهاد أمام أهل العلم والفقه، وسلم الإسلام بوجود التعددية القومية.

اقرأ أيضا  منظومة «الحلول الوسط» الأميركية فى الشرق الأوسط

موقف الإسلام من هذه التعددية التى تمثل واقعا فى الحياة، يعبر عنه حديث رسول القرآن ﷺ: «يا أيها الناس، ألا إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربى على أعجمى، ولا لأعجمى على عربى، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر- إلاّ بالتقوى»… جمع الإسلام بين عمار بن ياسر العربى، وسلمان الفارسى، وصهيب الـرومى، وبلال الحبشى، ثم جمع عبر القرون بين العربى والتركى والصينى والهندى والأندونيسى والأفريقى والأوروبى، واتسعت واحته لهم جميعا على سنة المساواة.

اقرأ أيضا  خواطر مواطن مهموم (60)

وقد صرح القرآن الحكيم بهذه التعددية ودعا للسبق إلى الخيرات، فقال تبارك وتعالى: « وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ » (البقرة: 148)، فهذه التعددية قد تكون سلبية تؤدى إلى التناحر والصراع، وقد تكون إيجابية تصل بنضجها إلى التعايش فى إطار التسليم بأن التعددية سنة كونية. هذا الفهم نراه فى القرآن المجيد فى مواضع عديدة، فهناك من الخلق المفطورون على عبادة الله: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ» (التحريم: 6).. والقرآن المجيد فى إطار تعبيره عن وجود التعددية كسنة كونية دعا إلى وجوب التعامل معها بفهم وإسماح، وأورد أن الإنسان هو الذى يقرر مصيره بنفسه لنفسه «مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا» (فصلت: 46).. «فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ» (الكهف: 29)، وفى المقابل من أراد أن يتذكر بالمشيئة الراشدة: «لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا» (الفرقان 62).

(يتبع )

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »